ذاكرة مدرسة

 

كاظم خضير القاضي

 كل شيء في تلك المدينة بدا متورما ومثقلا بالوجع في اللحظة التي اعاد فيها أيمن
عقارب ساعة ابيه الى الوراء ،
الساحات العامة فارغة ورائحة الدخان تملأ الافق وقد أمسكت تلابيب المدينة خفافيش
القصر،صوت من طرف الشارع :أيها الخائن (شروكي) سأجعل منك عبرة.

أخذت تلك العساكر تكدس أجساد متعبة خاوية البطون في ساحات المدرسة وأخذوا
يوسعوهم ضربا.......

يا له من مشهد، أظن ان بندول الساعة أستأنف دورانه بين أصابعي فهذه المجاميع
الخاكية تجمع قاطعا أو اثنين من الجيش الشعبي في ساحة المدرسة نفسها ولكن
هذه المرة وقع الاختيار على كبار السن لما تعانيه المدينة من جدب رغم ثرثرة
الباعة العرب وأصوات نساء الاسرى والمفقودين .

هي المدرسة ذاتها أخذت تعلق الزينة على جدرانها لتخفي معالم حروف رسمتها
أنامل طفل راعشة ودماء أصابع المعذبين وبوسترات الاعلان الانتخابي
ورقم الكابينة التي ستشهد نزول اول صوت في عالم الصراخ والثغاء
استأنفت مكبرات الصوت تردادها في حشود التلاميذ عبارات النصر، ومرة أخرى
يعبث ايمن وذكرى المدينة تختزل الوجع في صفوف المدرسة التي تحاول أعادة
ذكرى حروف الكلمة .......

لكن دون جدوى فالذاكرة تغص بالهذيان وأصوات الهاربين من العاصمة والمثلث
والهلال والمربع وخطوط الطول والعرض احتضنتهم المدرسة لتعيد صياغتهم
مرة اخرى على طريقة مصانع البلاستك والفافون المستخرج من حشوات المدافع.

لتعيد رسم معالمهم التكوينية بنحت اخاديد الزمن بعد ان أستبدلت القلم بالأزميل
والمدرسة بالوطن فصار جميعهم حاملا للشهادات العليا والسفلى....

بناية المدرسة تحاط بمجاميع العسس لتعتقل من تشتهي بتهمة التنظيم السياسي
والتحريض ضد النظام الذي سيسقط دون عمل سياسي أو حزبي منظم .

ترتعش ساعة المدرسة لتعيد عقاربها وافاعيها للوراء فتسقط الساعة من بين أصابع
أيمن الراعشة لذكرى ابيه وصوت الانفجار المدوي الذي هز المدينة وعصف بجدران
المدرسة التي احتضنت صناديق الاقتراع المفخخة في المركز الانتحاري الأول
فلم تعد البناية الأ كومة ركام وأوراق محترقة......

( من محاريق القاضي الحسني)

قصص أخرى

****