مرثية لابن الرومي

 

 

عادل علي عبيد

يقول ابن القارح قال ابو عثمان المنجم : ( دخلت على الشاعر ابن الرومي في علته التي مات فيها وهي السم وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج وخنجر مجرد لو ضرب به صدر خرج من ظهر . فقلت ما هذا ؟ قال : الماء أبل به حلقي فقلما يموت إنسان إلا وهو عطشانا ، والخنجر إن زاد عليّ الألم نحرت به نفسي ) .



الرجل الخارج من تلابيب الأمس
الناحر لأشكال الخطيئة
المترقب سيول الضباب الآدمي
يتحين المفاجآت
ويرصد الفزع
تتساوى ثورته وزمجرته
مع الهدوء الوديع الجميل
باختلال أعصابه
يقدم زهر النرجس على مائدة قلبه
مذعور من كل الشواخص
تلاحقه سورة النفس
وهمهمات إبليس
الماء والدم حسوم طوافه
وخاتمة تجلياته المرتبكة
الماء الخضرة والدم الاندثار
سابقة الخطى وأول غيث الشعر
في كعبة الدنيا نسي بقية من نفسه الجامحة
فراح يتلوى في الأزقة السابحة بالفكر
المتوجة بالاغتيال
ذلك ديدن الشعراء
روحه المتوثبة المتطيرة
تحلّق على القباب والمآذن المشرئبة
وهو يداعب جفون بغداد الحامية بالوعود
السابحة بوطيس الحضارة
الفجيعة التي احتوته
راحت تبشر بقافيته الساخطة
مجبر باعتزاله قدري الاختيار
وافد من بؤرة النفس
تحوم روحه في عتمة القرار
مذعور من نفسه
مختلج المشية في هيام
يلتفت إلى الصدى الذي يزاحمه
والحصار الذي يحكم الحصار


****


النرجس والورد



العبق الطافح في البراري
والعبير المترنح فوق ثورة النفس
والطل المرتعش الذي يخاتل رفيف الفراشات
حكاية الحب القديمة الجديدة
قد تغري نرجسة ترقص بانتشاء عالم الجلنار
وتهيم عشقا بالرياحين واللوتس
وتحدث ثورة من عبق
لا بأس ...

قد يزاحم الورد الرمان
يجتاز خطى النارنج
ويسكت العبير بعض جموحه
يطوف سابحا في البوادي
معلنا لوعة القفار
باسطا على الأديم بهجة الابتسام
ينشر صولة من الق النفس
ويهيم حبا بالكره
لا باس ...

قد يصيب الملل الندى
فيسيح على أحداق الزنابق
فينتفض التويج
يشتعل حبا
فيترك بقايا ارتجا فات
تحرك ذلك السويق الراعش
فيصحو الكروان الناعس على نثير النثيث
قد تنأى هذه القطفة عن عين ناثر
او خيال شاعر
او تغريد عندليب
قد تغيب .. قد تغيب
لا بأس ...

قد يلتقط باز جرادة من منقار زغب
ويحلق نشوانا في أعالي الشجر
قد يرصد التماع العش المتوحد
ويزيح كاهل الورق عن عين الشمس
قد يستعير نغمات الكروان والهزار
وشدو البلابل والحسون
قد يهون الأمر على الأم
قد يهون
لا باس



تداخل

كم افترقنا ...
وحالت غابات الشوك دون اجتماع خطانا
وسحقت غضبة الزمن كل ذكرياتنا
كم طفنا وجبنا في القفار النائية
وهامت أرواحنا نحو الشعاب السحيقة
وشكل غبار الكثيب حاجزا دون أبصارنا
وشمخت مويجات الصخور بين شخوصنا
كنا بلوعة المخذول نتسمع ضحكات الآخرين
وتصطدم بأجسادنا المترنحة من الجوع سيول التقولات
وجيوش العبارات الرخيصة
والإطراء الهازيء
كنا نبصر غمز ولمز العيون
وتلك الابتسامات التي تؤشر بلادتنا
ونحن نزيد البكاء علينا
ونسهم في النحيب الطويل
كان الشتات قصتنا
والرحيل فجيعتنا
ولكننا التقينا

قد حسبوا واهمين
إن التقاءنا محض مصادفة
فراحوا يحجبون الشموس
ويشيدون عالي الجبال
ويحرقون ثبوت الخرائط
أملا من أن لا ندرك الطريق
وجهدوا يحبسون جحافل الهواء
ويحولون دون جمال القمر
و يمزقون الألواح ورسوم الكهوف
ويحرقون الكتب .. ويخربون المعالم
ويزوقون التاريخ
ويطمرون السلالات والألواح
وكل الشواهد ...
كان لسان أحبارهم يقول :
لا تبقوا لهم من باقية
ولكننا التقينا

قتلوا شبابنا
احرقوا بساتين اللوز
وغابات النخيل
طمسوا ذكرياتنا
نبشوا قبور رفاقنا
واغتالوا بسمة الأطفال
أجهزوا على قصائدنا وأغانينا
غيروا معالم السبل
وسرقوا جغرافيا الروح
وهدموا كل جديد
ولكنا التقينا

***
إذا أعطيتك حريتك
هل تمنحني غصن زيتون ؟
...
سأزرع غصن الزيتون
وأخزن لك سلافة العصير
سأعبد لك الطريق المديد
وارقب خطاك التي تعيد أمجادي
وارسم وشما يشير إليك
ولوحة شاهدة عليك
أخي وابن عمي وصديقي :
إنني أقاسمك الرغيف
وأشاطرك الأمل
فهل تمد لي يدا بيضاء

*
صوتك يعلو على الآخرين
ورأيك يخلف الطوفان
لنتجاذب الرؤى
لنصل ...
يا لبعد الطريق
ولكنه قريب بك
لأنك أنا ...
وأنا مزروع فيك
فهل نتفق ..؟
يا لبعد الطريق

*
يوما أيها الجافي عني ..
كنت شريكي في المحرقة
وقسيمي في الحصار
وقريبي في اللوعة
حملتك وحملتني
يا للعجب ...؟
اهذه رصاصتك التي استقرت في ثناياي
وهذا خنجرك المسموم في بقايا قمحي
سأرسل ابنتي الصغرى إليك
هل من ضمادة افتخر بها وأقول إنها منك ..؟

 


يا لبعد الطريق

*
عندما تهب لإحياء بقايا انتمائك
فلا تنسني ..

قصائد أخرى

****