كلام في الحب 

 

حسن الفجح

...فجأة ينتبه المرء، بعدما يظهر القليل من الشعر على ذقنه؛ أعني عندما يصير رجلا كما يعتقد، ينتبه إلى أن ثمة شيئا ما يناديه، إلى أن الوقت قد حان ليجرب حظه. إنها فرصته الأولى ليقع في الحب على حد التعبير الشائع.

و في سعيه إلى إحداث معجزة الحب، يتأنق و يتعطر و يهتم أكثر بهندامه و بمظهره، و ينزل إلى الشارع بحثا عن فتاة تخطف قلبه من النظرة الأولى. يقف أمامها لفترة في حوار صامت لتبادل النظرات الوالهة قبل أن تأسر فؤاده وتصير داءه و دواءه، و من ثم تبدأ أولى صفحات قصة حبه المشوقة.
هذه هي حقيقة الحب كواقعة يذوب لها الإنسان بكامله، لكنها للأسف ليست حقيقة خاطئة فحسب، بل إنها حقيقة مقلوبة رأسا على عقب إلى حد لا يصدق. فكل ما في الأمر، لسوء حظكم، أن الحب ليس عاطفة و لا علاقة له بتاتا بأمور القلب و لا صلة له أصلا بالنساء. فليس ثمة في العالم بأسره إمرأة واحدة بمقدورها أن تمنحك الحب، كما أنه ليس بمقدورك أن تمنحه لأية إمرأة بأية حال. إن الحب ليس مجرد علاقة عاطفية بين رجل و إمرأة، كما يظن معظم الناس. إن الأمر كله ليس سوى نتيجة للخلط بين الجنس و بين الحب.

هذه للأسف هي الحقيقة التي يتلقاها العالم في دهشة و استغراب في مطلع القرن الواحد و العشرين. نعم هذه هي الحقيقة المسطحة التي قد لا يفلح أحد في إرغام نفسه على تصديقها. فعلى مر التاريخ لم يعرف البشر معجرة الحب إلا في حالات جد نادرة و متقطعة من تاريخهم التليد، و المرء يقول هنا حالات جد نادرة لمجرد الرغبة في إلتزام الإعتدال، فالواقع أن النسبة أقل من ذلك بكثير، و ليس بالطبع على أيدي روميو وجولييت أو قيس و ليلى أو غيرهما من العشاق. أعلم الآن أنكم تحكون رؤوسكم في محاولة يائسة لفهم هذا الكلام الغريب أو تجاهله حتى، لكني أراكم تبالغون قليلا؛ ففي النهاية ليس كل ما قلته كلاما غريبا رغم كل ما يبدو، فأنا فقط أحاول أن أقرب لكم صورة تاريخكم المهيب، و أحاول سرد بضع حلقات منه بكل صدق و أمانة.

و فوق ذلك كله لا أريدكم أن تصابوا بالصلع.

إن الحب عبر التاريخ لم ينل قدره الكافي من التجريد و المعرفة العميقة البعيدة عن الإيديولوجيات؛ فالإنسان لم يكلف نفسه عناء إستشفاف المعنى الدقيق للحب، أو بالأحرى لم يكن بوسعه ذلك لإنشغاله بالركض وراء جوعه الجنسي. إن المسألة كلها تعبير عن عدم قدرة و ليس عدم رغبة.

إن الإنسان لا يفهم من الحب سوى أنه جنس وبنات و لذة حسية؛ عملة رديئة يهذي بها في النوادي الليلية و أشعاره المريضة. إن الحمام، مثلا، يتودد إلى بعضه الآخر في فترات معينة، لكنه لا يسمي ذلك حبا لأنه بالطبع ليس كذلك لكن الإنسان القادر على الكذب بإمكانه إضافة بعض الأشعار إلى جوعه الجنسي و يدعوه حبا. فالحب لا يأتي من الخارج و لا يمنحه أحد لأحد؛ و لا ينبت صدفة في القلوب و لا نجده في عيون البنات.

إن الحب تخلقه أنت في داخلك لتنعم به، إنه سيرورة طويلة و مريرة من المعاناة العقلية. إنه ثمرة صراع عنيف و مريع بين الإنسان و ذاته ينتصر به على عقده النفسية و شهواته الصغيرة و أنانيته الخرقاء و افتتانه بنفسه واعتداده بها. و إذا ما عجز المرء عن ذلك كله، فلن يفيده أن يحبه العالم بأسره.

إن الحب أمر إختياري خاضع للعقل، و العقل وحده. إنه موقف عقلي ثابت يتبناه المرء تجاه عالمه و تجاه الناس من حوله، و يتخذه مقياسا نهائيا لسلوكاته تجاه نفسه وتجاه الآخرين. فالحب لا ينزل من السماء و ليس هو ما يهذي به صغار الشعراء؛ إنه عملية معقدة تتطلب الكثير الكثير من الخبرة و بذل الجهد و التدريب و العمل المتواصل. إنه بناء، و كأي بناء فهو يخضع لتصميم محكم، و يبنيه المرء لبنة لبنة عبر جحيم معاناته العقلية المروعة. إنه منطق أوسع ما يكون لإحتواء الإنسانية كلها، إنه فلسفة حياة يتبناها المرء لبناء جنة على الأرض يقتسمها مع أبناء جلدته. إن الحب تكثيف معقد لجهد المرء من أجل العطاء. إنه الأمر الوحيد الذي لا يزال الذكاء البشري، رغم كل حضارته، عاجزا عن تحقيقه.

إن الناس يعتقدون خطأ أن الحب، كما يتصورونه، يقف على طرفي نقيض مع الكراهية، غير أن الكراهية، في نفس الإطار، ليست سوى شكلا آخر من الحب لأنهما وجهان لعملة واحدة تقف اللامبالاة كنقيض لهما معا، لكن ذلك كله ليس بمقدوره الإبتعاد بالإنسان عن نقائصه و عن شهواته الصغيرة و الغبية و عن غروره و رغبته في امتلاك كل شيء، و لو بمقدار عقلة أصبع. إن الأمر كله مجرد محاولة لدفن الرأس في الرمال. الا أن الحب من منظورنا المتواضع يقف مع الأنانية وجها لوجه على طرفي نقيض. إن الأنانية فقط بإمكانها هزم الحب، بإمكانها قذف الإنسان بكل حضارته إلى أبشع صور البذاءة، و ما دام الإنسان عاجزا أمام هذه المعادلة و عاجز على تجاوز بذاءته فليس ثمة مبرر واحد لقيام الحب، و لن يجديه أن تغرم به الملايين من البنات لأنه سيظل عاجزا عن إستقبال منحة الحب، و ليس بوسعه أن يمنح أحدا، مقابل حبه، سوى المزيد من البذاءة و الغرور، لأنه لا يفهم من هذه الهبة السحرية سوى متعته الجنسية.إنه ليس بمقدوره فهم الحب سوى باعتباره عملية حسابية دقيقة؛ نوعا من الصفقات التجارية.

إن الحب الذي نعنيه ليس حب المرأة لأن هذا النوع نأتي إليه طائعين رغبة في الظفر بكل ما يمكن أن تمنحه لنا إمرأة ما بدء بجسدها. و ليس هو حب الوالدين لأن ذلك نتيجة حتمية لإعالتهما لنا و لشعورنا بالأمان في كنفهما. و ليس هو حب الله لأن ذلك فقط تعبير عن نقصنا و ضعفنا تجاهه؛ إنه نوع من النفاق و التظاهر فقط، إنه مجرد تعبير عن رغبة في الأخذ. و الحب ليس هو حب الحياة، لأن الكل بالطبع يكره الموت و الكل يعشق الإستمتاع و لو حساب الآخرين. و لعل الحياة هي الضامن الوحيد لذلك، و الضامن لحب المرأة و حب الوالدين و حب الله، و جميع أنواع الحب المبتذلة التي تخطر ببال الشيطان، ما عدا الحب الذي نجهد هنا في محاولة توضيحه. لأن عددا من المحبين، على قلتهم، ماتوا منذ زمن لكننا لا نزال نستنشق هواء الأرض نتيجة لحبهم الذي كان معطاء إلى آخر رمق من حياتهم التي عاشوها بمعاناة عقلية رهيبة. إن تاريخنا المجيد لم يعرف سوى بضعة أشخاص تمكنوا من تحقيق معجزة الحب و وقفوا دفاعا عنها بأعناقهم في وجه الناس الذين أحبوهم، و يكفي هنا أن نذكر السيد المسيح و سقراط لنكون قد حددنا عنوان الصفحة.

إن المرء بمقدوره أن يوهم نفسه أنه يعيش حالة حب مع بنت الجيران، تجربة يبدأها بالتسلل تحت جنح الليل و تعريض نفسه للمخاطر مقابل لقائها فوق الجسر للسمر معها تحت ضوء القمر و كتابة بعض الأشعار لها، قبل أن يتزوجا و ينعما بمعجزة الحب في بيتهما وسط أولادهما، ريثما يطرق سمعه دوي القنابل و صوت الطائرات الحربية، أو ربما يهوي بيته الذي يضم حبه فوق رأسه جراء قصف مدفعي. إذ ذاك فقط قد يفهم معنى الحب الذي نتحدث عنه أو قد لا يفهم شيئا حتى يفارق الحياة.

إن الإنسان يدعي الحرية في اختياراته و سلوكاته فقط لمجرد جهله بالأسباب الحقيقية التي تدفعه لذلك. إن القول بالحرية يخفي جهلا بالأسباب على حد تعبير اسبينوزا. إن الحرية هي التعود على السير في طريق مسدود بالمتناقضات و الأحزان، إننا نتعلمها كما يتعلم الأعمى السير بين حقول المهالك مبصرا بعصاه؛ كما صاغها القصيمي.

إنني لا أريد أن أحرم العشاق من حبهم، كما لا أريدكم أن تصابوا بالصلع، لمجرد الرغبة في إظهار الحق ـ لأني أدرك أنكم الآن تكثرون من حك رؤوسكم ـ لكن إنقياد الانسان وراء غروره الغبي لا يستطيع أن ينتج لنا سوى الإمتهان و الإبتذال؛ إنها النتيجة الحتمية الوحيدة لجهله بجهله.

واحات أخرى

****