وطن خارج التغطية

 

أكرم الصوراني

عندما يأتي مساء المقهور ويرى فيه نجوم العصر تَظهر ، ينتابُ كثيرين مطحونين شعورٌ بحاجةٍ ماسّة لاحتساء فنجان قهوة ولو بمياه مالحة كتلك التي تسري في مواسير غـزَّة ، الشبيهة في طعمها بأشياء تجري في أمواج بَحرنـا ، وشوارع سَحلنا ، وكلـى القارئيـن ..

 

في أعقاب السجائر لذّةٌ للسّاحبين ، وفي أعقاب ارتشافي لكوب ماءٍ غير صالحٍ للاستهلاك تبادرني زوجتي من باب العادة الدارجة قَولَهَا "هنيّـة" .. من شدة ملوحة المياه أَرُدُّ "عابساً" كما عادة الشاربين ، وأنصرفُ لممارسة هوايتي في فتح التلفاز ، يَكتبُ المَلَلُ لأناملي مداعبة أزرار الـ "ريموت" ، لتقع فتحتا وجهي العليا المخصصة للنظر على خطابٍ يُنقَلُ على الهواء والماء مباشرةً لأحدِ كبار السياسيين ، الخطابُ كعادته كان مالحاً وقديماً كما يرى أحد الأصدقاء القاطنين في ريف ضفتنا المحتلة ، قبيل سويعات هاتفته عبر شبكة الجوّال الرديئة في إرسالها ، كما رداءة خطاباتنا الغير صالحة لاستهلاك آذان السامعين ..

 

رغم أن حديث صديقي كان ممتعاً ، إلا أنني بالكاد كنت أفهم مقاصده ، خاصةً عندما بدأ يتكلم في قضايا عامة ومخططاتٍ سامّة ، وفقه الانقسام ، وسيرة حام وصراعه مع شقيقه يافث ، وما دار من إعطابٍ وانقلاب للشاحنة على قارعة الطريق شمال جنوب مفترق الوطن ، وعن قيمة الخَصم ومستقبل الرَسم والحَسم ، وتشخيص دواخل المعدة وما يلازمها من عصارةٍ ومرارة ، وحسابات الربح والخسارة ، ونزع فتيل أحماض الشرارة وأثرها في التهاب مريء الإمارة وضرورة احترام قانون الإشـارة ..! وحديثٌ رثٌ يائس عن قمة مارس وقتال داحس ، ومراقبة عبود لـ(خط) الحدود ، ومنع إطلاق الفوانيس ، ومحاسبة الـ(رّامي) والعصامي وإخفاء بصمات الـ(حرامي) ، وسقوط مسعود في الوحل العام ، وإفلاسه في شبكة العلاقات ، وصفقة المقاولات لسوء التصرف والمعاملة وحظر رياضة الملاكمـة .. وأخبار التنسيق والتخزيق ودرجة الممالحة وسؤالٌ عابرٌ حول المصالحة وأوضاع المضاجعـة ...!


لا أخفيكم سراً أنني لم استوعب شيئاً من حديث الصديق ، لسوءٍ في الإرسال ، وكثرة فرطه بالإسهال على سيرة أحد رجال الأعمال وتوجهاته بالاستقلال ودوره في تفكيك معادلات الانشطار ، وجلب تمويل إعادة الاعمار ، ومشروعية ارتداء الشال ، ومسئولٌ على حاله (بال) ، وشعبٌ سرُّ صبره طول الـ(بال) ، لسانُ حاله متخصصٌ في القيل والقال ، وكثرة السؤال عن الحال ، مع قناعته أنَّ دوامه من المُحـال ..!

 

قطعاً لكلامه واسترساله وإصلاحاً للرواية وتغييراً للحكاية أخبرته أنني قرأت خبراً حول معاقبة مُدَرّسٍ ثانويّ في أحد المدارس المصرية ونقله للتدريس في المرحلة الإعدادية وذلك بسبب وضعه لسؤال (ما مضاد كلمة «مُبارك» ..؟) معظم التلاميذ ومنهم صديقي لم يعرفوا الإجابة ، وبغير سابق إنذار نفذ رصيد شحني دون أن يتسنى لي إخباره أن عكس (مبـارك) (ممحـوق) كما مصيـرٌ ينتظرنـا ما دام الاتصال مقطوعـاً ...

 

بالمناسبة ، شبكة اتصالات الأحزاب والفصائل المتناحرة ما زالت متوقفه عن الإرسال لـ خللٍ وطنيٍ طارئ استلزم تسجيل اسطوانة تُكَرِّر اعتذارها للسّادة المتصلين --- (لا يمكن الوصول إلى الوطن المطلوب حالياً يرجى المحاولة فيما بعد ..!) --- 

واحات أخرى

****