المشروع الوطني الفلسطيني إلى أين؟

 

زياد أبو شاويش

سيبقى هذا السؤال يؤرق كل مواطن فلسطيني ، وعربي، وربما يطول زمن القلق ويصبح السؤال أكثر صعوبة ، بعدما أصبحت الشروخ أكثر عمقاً ، والشقوق اكبر اتساعاً .

   ونحن لا نزعم أننا قادرون على ترسيم حدود القلق والزمن وأسباب الضباب الكثيف الذي يلف هذا المشروع ، ذلك أن مراكز أبحاث ومتخصصين ما زالوا يتجولون في دهاليزه ولم يصلوا الى نهاية تشرق عليهم فيها شمس الحقيقة تجاه مستقبل هذا المشروع ، لأنه مشروع يحتوى على كل التعقيدات والوعورة الناجمة عن محيطه وعوامل كبحه ، وهو من الكبر والخطورة ليشكل حالة نادرة عبر التاريخ ، حيث لم يشهد التاريخ على قضية وطنية لشعب، ميدان الفعل فيها كل الدنيا، والعقبات فيها والموانع بحجم الإمبراطورية الأعظم في التاريخ، والحق يحفها كنور الشمس، وهو بحجم كل ما سبق، وبرغم ذلك يتعثر .

   والحال أن تطورات السنوات الثلاث الماضية عشية اغتيال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وترتيبات البناء الفوقي الفلسطيني ، وما أعقب الانتخابات الأخيرة من تطورات، أظهرت بجلاء أن مشروعنا الوطني يمر بأزمة بنيوية هائلة الحجم لا تتعلق بمكونات المشروع في حد ذاتها بقدر ما تتعلق بحوامل هذا المشروع ووقوفنا بحيرة أمام تصور آفاق المستقبل القريب والبعيد تجاه مجموعة من المسائل تمس عصب هذا المشروع وتلقى بظلال كثيفة على قدرتنا على حمله، كما مشروعية بعض وسائل إنجازه ، ولعل هذه النقطة الأخيرة تمثل مفصلاً هاماً في أسباب الخلاف الحاد والذي نراه جلياً ،ويأخذ أشكالاً دراميةً لا يمكن ضبطها أو منع وقوعها ، رغم كل الصيغ والمعالجات ، هذا الأمر الذي يظهر الى حد ما الخلل البنيوي الذي أشرنا إليه ولو بشكل بسيط . وربما تباين الأوصاف وتناقضها حول ما ذكرنا يمثل إيضاحاً مقنعاً .

   لقد ارتبط المشروع الوطني تاريخياً بإبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية كقاسم مشترك لا يمكن الاستغناء عنه في بناء هذا المشروع ، وبنظرة سريعة على التاريخ الفلسطيني خلال قرن كامل من الزمن وجدنا صيغاً ومؤسسات تم اللجوء لها كحافز ثم كوصفة عملية لبلورة هذه الشخصية والتي كانت تعنى في نهاية المطاف تشريع الهوية الوطنية الفلسطينية لأرض فلسطين العربية وبسمات شعبها الذي لا شك في رسوخ مقامه في وطنه وتوغله العميق في التاريخ كمؤسس لكل حضارة وجدت على هذه الأرض ، كما الندرة في هذا الإحساس العميق لدى الشعب الفلسطيني بحقه في وطنه الذي لم يرحل عنه منذ وجد فوق ترابه كما انتمائه العربي ، هذه الندرة المدهشة لغير الفلسطيني رسمت معالم المشروع وقيدت أيدي كل من يتصدى لوضع لبنة في بنائه بحدود لا إمكانية لتجاوزها مهما كانت الظروف والأخطار . ولعل خلق الكيان الصهيوني فوق الأرض الفلسطينية في منتصف القرن المنصرم مثل العقبة الأكبر في طريق إنجاز هذا المشروع السابق لخلق الكيان ، وجعل الأمر منوطاً بإزالة هذه العقبة من جذورها .

   ومن هنا كان البرنامج المرحلي يمثل تغييراً نوعياً مؤلماً لهذا المشروع ولأصحابه، أملته عوامل قهرية ليس هنا مجال نقاشها ، لكن محصلة الحوار والصراع انتهت الى صيغتين لهذا التغيير ، الأولى إنجاز الوطن كتجسيد للهوية الوطنية بدون قيد أو شرط على أي أرض يتم تحريرها من العدو، والثاني بناء الدولة الفلسطينية على هذه الأرضية في حدود عام 1967 وبغض النظر عن الثمن المقابل والذي يتضمن حكماً اعترافاً بالكيان الصهيوني والانصياع لما يسمى بالشرعية الدولية المدارة من قبل الإمبراطورية العظمى .

   ومع مرور الزمن وتبدل الظروف تقارب المشروعان الى ما تم إعلانه في عام 1988 والمسمى إعلان الاستقلال . إن استناد الإعلان لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالتقسيم وحق العودة سهل الى حد كبير إيجاد القواسم بين كل مكونات منظمة التحرير( الشكل الأخير والأهم لتجسيد الهوية الفلسطينية بل والكيانية الفلسطينية) ، وبرغم أن هذا الإعلان يمثل في حد ذاته تنازلاً مجحفاً بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه الا أن الظروف القاسية واختلال موازين القوى مع معسكر الأعداء الهائل جعل من غلاة المتطرفين الفلسطينيين كجورج حبش وغيره من القادة القوميين يقبلون بهذه الصيغة المرنة والقادرة على التعاطي مع الواقع الجديد في عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وانتصار الرأسمالية المتوحشة .

   وبرغم كل ما يمكن أن نقوله بشأن هذا الإعلان ونقاط ضعفه الا انه حظي بأغلبية كبيرة جداً في الساحة الوطنية وجرى حمله كمشروع يمكن أن يرى النجاح ولو بعد حين ليس بعيداً ، وفى سبيل إنجاح هذا المشروع وتسويقه دولياً قامت قيادة المنظمة بالقبول بلعب دور ثانوي في مؤتمر مدريد ، لاعتقادها أن نتائج الانتفاضة الأولى وفى وجود كل الأنظمة العربية لدول الطوق فيه ، ربما يعطى نتائج مثمرة تقربنا من الإنجاز الأكبر لهذه الهوية ( الأرض والحدود).

   إن فشل مؤتمر مدريد وانفراط العقد العربي ، قد وجه ضربة موجعة لكل الآمال التي علقت عليه كما أعاد الأمر الى نقطة الصفر في المسألة الفلسطينية برغم كل التضحيات والإنجازات الباهرة للانتفاضة الأولى ، مما دفع أصحاب المشروع لأخذ الخطوة المتسرعة في أوسلو ، ونحن كما ترون نختصر التاريخ للبقاء على سكة الموضوع الذي نتناوله حول آفاق مشروعنا الوطني المصاب بأمراض مزمنة تجعل الشقوق ربما تطال الأساس الذي بنى عليه المشروع ولا يزال .

   إن الخطأ الكبير والاستراتيجي في اتفاق أوسلو قد جعل من ترميم المشروع بعد أي هزة أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد ، ولان الحياة تفرز آليات عقدها كما الحلول فقد فاجأتنا النتائج التي نتحدث عنها في وقت قصير نسبياً ، وأدرك أصحاب المشروع أنهم تورطوا وتسرعوا في أوسلو وحيث كانت العودة للخلف أمراً معقداً بل ومميتاً ، ومن هنا سجل العدو ومعه الحليف الأكبر أهدافاً مؤلمة في المرمى الفلسطيني ، المربك أصلاً ، والذي ضعف حارسه الى حد كبير. وبرغم تقديرنا لرفض عرفات التنازل عن حق العودة والقدس ، وإعجابنا بعودته الى استخدام السلاح في معادلة المواجهة الا أن هذه العودة وهذا الرفض كان متأخراً وخارج سياقات أوسلو الذي انكشف حجم هزالته وإضراره بالمصالح والمستقبل الفلسطيني .

   ومع انكشاف البون الشاسع بين حجم المشروع الوطني بعمقه وتأثيراته المرتقبة في المنطقة ، ورؤية الطرف الآخر ( العدو الصهيوني وحلفائه) ، فقد كانت الفرصة قد ضاعت في الإبقاء على وحدة الحامل لهذا المشروع أو القدرة على بلورة بديل يجمع عليه الشعب الفلسطيني لتعود الانتفاضة مجدداً كشكل جامع ومجرب للملمة كل الخيوط ، وبوجود قيادتها المفترضة على الأرض . ولان الانتفاضة ليست المشروع الوطني ولم يجعلها أهلها كذلك فقد كانت مفاعيلها ستخبو آجلاً أو عاجلاً ، وليس لاستخدام السلاح هنا أي تأثير على صيرورة الانتفاضة أو الانتقاص من قيمتها كما حاول أن يوحى البعض ، وربما يكون العكس هو الصحيح .

   إن صعود حركة حماس ونجاحها في تولى السلطة الممنوحة لأهل أو سلو قد أوجد أملاً جديداً على أرضية التمرد على هذه الاتفاقيات التي انتقصت من مشرعنا الوطني ، هذا التمرد الذي عبرت عنه حماس في عملياتها العسكرية النوعية وفى برنامجها السياسي وليس المشروع الوطني ، كما أراده الشعب بكل مكوناته في الداخل والشتات ، وهذه نقطة مهمة لأبعد حد ، ذلك أن هناك فرق بين البرنامج وبين المشروع الوطني . هذا الفرق الذي لم تلحظه حماس حتى الآن في ممارستها السياسية . وهو ذاته الذي تجيده فتح والمنظمة ومارسته بطريقة غبية وغير مجدية وقامت بالخلط بين مكوناتهما ، ما أدى الى ضياع الاستراتيجي وأخل بالتكتيكي ووضعنا أمام أزمة حادة نعيش أبعادها حتى هذه اللحظة . وعندما فازت حماس بطريقة غير متوقعة ،وواجهت الحصار أيضاًُ بشكل غير متوقع اندفعت للأمام على أرضية التفويض الشعبي معتبرةً أن الوقت قد حان لحمل المشروع عن كاهل من تعبوا وأن صلاتها العربية والإسلامية العالمية ربما تمكنها عن فعل ما عجزت عنه الحركة الوطنية الفلسطينية لأربعين سنة ، وفى هذا أخطأت حماس أيضاً ولم تقدر بشكل صحيح أبعاد المشروع ولا عمقه ولا تشعباته ووقعت وأوقعتنا في المحظور ، فلا هي التي تستطيع التراجع عما رسخته في وجدانها ووجدان مناصريها ولا هي قادرة على التملص من رجس أوسلو القفص الحديدي الذي وضعتنا فيه تلك الاتفاقيات المشئومة .

   وقد وجدنا تعبيرات الأزمة بشقيها القديم والجديد في تناقض خطير طغى على كل النشاط السياسي وأغلق كل الأفق أمام المشروع الوطني ، واقتربنا ربما من خط اللاعودة في هدم أسس مشروع قدم فيه ومن أجله الشعب الفلسطيني أفضل ما عنده على مدار قرن كامل من الزمن . وربما يكون مفيداً بلورة المعضلة التي نواجهها الآن بعد كل الأشهر العشرة من عمر حكومة حماس وبعد ما يقرب من عامين على تفاهمات القاهرة واتفاقاتها بين الفصائل الفلسطينية .

   إننا بكل وضوح نواجه خللاً فاضحاً في القدرة على تجاوز خلافاتنا الفلسطينية أولاً .

   ونحن نواجه مشكلة اجتماعية نوعية وقاتلة ولا أحد من أطراف الصراع الداخلي ولا حتى المؤسسات المدنية قادرة على معالجتها أو التقليل من آثارها ثانياً .

   كما نواجه انقساماً حاداً حول رؤيتنا كشعب للمشروع الوطني المتعلق بهويتنا الوطنية وحقوقنا وهذا الأمر سيبقى حتى لو تجاوزنا خلافاتنا الراهنة ، ويتحمل مسؤولية ذلك كل الفصائل وبشكل ابرز حماس وفتح ثالثاً .

   كما أننا نواجه مشكلة تتعلق بالشرعية ولم نحسمها حتى اللحظة ، والأخطر أن من لديه ولو على المستوى الدولي والإقليمي هذه الشرعية لا يؤمن بأي شكل من أشكال الكفاح العنفي أو المسلح لتعديل ميزان القوى وهو ما يضعه عملياً في خندق المعوقات الجدية أمام أي تفاهم داخلي يؤدى الى رأب الصدع أو تضييق الشقوق تمهيداً لترميمها في زمن معقول رابعاً .

   وفى ظل ما تقدم ، وبشكل يسمح لنا ببصيص أمل من خلال إجابة معقولة يبرز السؤال الأول الى أين وكيف نخرج من المأزق ؟ ومن هنا دعونا ندير حوار عقل وحوار وجدان .

مقالات أخرى

****