فلسطينيوا الثورة وفلسطينيوا الثرثرة

الحسن زهور

باب المغاربة في القدس ، تاريخ مغربي بامتياز، يوم كانت القدس أولى القبلتين و ثاني الحرمين التي تشد لها الركاب قبل أن تضيع تحت الشعارات التي ملأت فضاء فترة تاريخية، طغت فيه القومية على الوجدان و أطمست العقل و انجرت الجماهير وراء الشعارات و الإيديولوجيات، و كان لا صوت يعلو في هذه الفترة على صوت المعركة ضد العدو، فقيدت الحريات باسم الشعب حينا و باسم تحرير الأرض حينا آخر، فتوالت الهزائم تلو الهزائم، و ابتلعت إسرائيل المزيد من الأراضي، و تعالت الشعارات الرنانة التي حولت هذه الهزائم إلى انتصارات ، إلى أن ظهرت بارقة أمل في بعض القادة الذين حاولوا وقف زحف الهزائم واسترداد الأرض بأية وسيلة، و كانت الدبلوماسية سبيلهم فدفعوا حياتهم ثمنا لذلك.

 

نفس الشعارات و نفس الهزائم و نفس الدمار و تحويل الهزائم إلى انتصارات يتشدق بها من لا يأبه بالدمار الذي ألحقوه بشعبهم، تشهدها غزة اليوم و ما أشبه اليوم بالبارحة، يصبح الحصار عملا بطوليا و تخريب غزة انتصارا على العدو، و تقسيم ما تبقى من فلسطين مقاومة بطولية و يصبح الفلسطيني في رام الله خائنا و عدوا، و الحدود بين غزة و إسرائيل الآن آمنة تحرسها إسرائيل من جهتها و المقاومة الإسلامية حماس تحرسها من الجهة الموالية لها، لأنها استوعبت الدرس من العدوان الإسرائيلي الأخير الذي خرب غزة بفعل طيشها السياسي، فلا رصاصة انطلقت من غزة اتجاه إسرائيل منذ نهاية العدوان إلى الآن، و لا حصار فك عن غزة بل تلاه حصار من الجار المصري بفعل الطيش السياسي لحكام غزة، نعم استوعبت حماس الدرس جيدا من العدوان الإسرائيلي المدمر فحولت الحصار و الدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني في غزة إلى انتصار سياسي تسير به الركبان الحالمة، فحولت معركتها إلى الجار المصري محاولة جره إلى معركة و وهمية ضد الفلسطينيين ، استغلت فيه حماس مأساة شعبها و تعاطف الرأي العام العربي و الإسلامي و الإنساني فجندت له أبواق الدعاية لحليفتها قطر، متوهمة أنها ستربح المعركة ضد الأشقاء بعد أن دمرت شعبها بالآلة الحربية الجهنمية الإسرائيلية التي دكت ما أرادت أن تدكه دكا في غزة الجريحة، و وعت مصر الرسالة الحمساوية فردت بقوة فأقامت سياجها الفولاذي على الحدود مع غزة لإجبار حماس على توقيع و ثيقة التصالح مع إخوانهم في رام الله ، فأقامت حماس الدنيا و لم تقعدها، وفي الأخير قبلت بالأمر الواقع فبدأت تتودد إلى مصر مجددا مطالبة إياها بالعودة إلى لعب دور الوسيط بينها و بين إخوانهم (العملاء و الخونة كما يسمونهم ) في الضفة الغربية، و من سخرية الأقدار أن لعبة كرة القدم دخلت في الخط لصالح مصر في هذا الصراع الذي خاضته حماس إعلاميا بتحالف مع قوى إقليمية معروفة للضغط على مصر و تشويها شعوبيا.

مقدمة تذكيرية فقط للفلسطيني "محمد بسام جودة" الذي أسال حقده على الشعب المغربي في مجلة "مشاهد" و هي مجلة محلية تصدر بأكادير عدد 113 دجنبر2009، والتي فتحت له صفحاتها للسب و الشتم في حق هذا الشعب دون مراعاة لأدب الضيافة و اللياقة التي يقتضيها الأدب الحضاري من جهة الفلسطيني الذي استضاف هذا الشعب الآلاف منهم، و دون مراعاة الحس الوطني لمن فتح صفحاته للطعن في هذا الشعب المغربي الكريم و المضياف.

وجاء عنوان المقابلة الصحفية على شكل استفزازي لم يراع حرمة شعب قدم للفلسطينيين الشيء الكثير : " الأمازيغ لسان حال إسرائيل في المغرب العربي"، و في أعلى المقال/ المقابلة صورة مكبرة للفلسطيني محمد بسام جودة الذي قدمته المجلة بالكاتب و المحلل الفلسطيني وهو جالس أمام مكتب فخم وعلى يساره العلم الفلسطيني وهو بلباس أنيق و ساعة ثمينة تتدلى من يده اليمنى و ملامح النعمة و الترف تبدوان بوضوح في وجهه الممتلئ، و نظرته نظرة نعيم ( عكس وجوه أبناء أنفكو و البوادي المغربية التي أهزلها الفقر).

جاءت أجوبة هذا الفلسطيني تقطر حقدا على كل ما هو أمازيغي ، إلى درجة اعتبار الأمازيغ " يهود أكثر من اليهود أنفسهم " ومضيفا " أعتقد أن هناك أهدافا يلتقي فيها الأمازيغ مع اليهود و لذلك أرى من وجهة نظري الشخصية أن الأمازيغ يشكلون لسان حال الإسرائيليين في بلاد المغرب العربي"، و تصل به الوقاحة إلى القول : " إسرائيل تقدم الأمازيغ الحماية و الدعم في مقابل الوقوف في وجه النظام المغربي العربي، إنها تحاول تصدير ثقافتها و سياستها العنصرية من خلال تعبئة الأمازيغ ثقافيا و فكريا وجعلهم يقتنعون أنهم أقلية منبوذة " و"يمكن القول أن الحركة اليهودية استطاعت، لما تملكه من نفوذ سياسي و عالمي، أن تقدم الكثير عدا الدعم المادي، للقضية الامازيغية مقابل خدمة مراميها في المنطقة ".

فماذا ننتظر من أمثال هؤلاء الفلسطينيين الذين يكيلون الشتائم لشعب وقف معهم في محنهم عبر التاريخ و باب المغاربة في القدس المحتلة شاهدة على إنسانية و مساندة هذا الشعب للشعوب المقهورة سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية (مساندة المغاربة للشعب الأمريكي في استقلاله كمثال) بما جبل عليه من مكارم الأخلاق تاريخيا قبل الإسلام و بعده، فماذا كان جزاء بعض الفلسطينيين أمثال هذا لهذا الشعب الذي ناصرهم ؟

 

لنرجع إلى التاريخ القريب الذي عايشنا أحداثه : فقد ضرب المغرب في خاصرته من قبل الفلسطينيين غدرا في قمة منظمة التحرير الفلسطينية بالجزائر سنة 1988 وإعلان قيام الدولة الفلسطينية فيها حين اعتبر الفلسطينيون المغرب كقوة احتلال و شبهوا الصحراء بفلسطين المحتلة ، مما حدا بالملك الراحل إلى الرد بقوة ووطنية في خطابه الشهير مهددا كل من يذكر فلسطين من المغاربة بتلطيخ باب منزله بما لا يذكر أي ب " للي ما ئتسماش"، و تدخل الرئيس الفلسطيني الراحل للاعتذار عن الفضيحة باعتبارها صادرة عن بعض المنظمات الفلسطينية الراديكالية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ما زالت إلى اليوم تعتبر البوليزاريو جبهة تحرير و قد شاركت مع بعض الفصائل الفلسطينية في المؤتمر الأخير للبوليزاريو في تفاريتي ( و المغرب غفور رحيم، لكن ذاكرة شعبه لن تنسى ما وقع في مؤتمر الجزائر كطعنة غدر من الخلف ).

 

لم تمتد اليد المغربية إلى أي فلسطيني بسوء، و لم يكتب التاريخ عن أي تدخل مغربي في الشؤون الفلسطينية، بل أعطى المغاربة للفلسطينيين الكثير و كفاه فخرا أن المغرب بادر بعقد أول مؤتمراسلامي في الرباط تمخض عنه تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي بعد إحراق المسجد الأقصى 1969، و كفاه فخرا كذلك بأن فرض على بقية الدول العربية في مؤتمر الرباط 1974 الاعتراف الرسمي بمنظمة التحرير الفلسطينية ، و بمبادرة منه اعتبرها المؤتمر الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني ، و ترك المغرب الخيار للفلسطينيين الاستقلالية و حرية القرار في كيفية تحرير بلدهم خلافا للدول العربية التي تدعي مساندتها للقضية الفلسطينية ، حيث دكت الدبابات السورية مخيم "تل الزعتر" الفلسطيني في لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية لأن سوريا الأسد لم تعجبها أنذاك توجهات الزعيم الراحل عرفات، و أجلت الأردن منظمة التحرير الفلسطينية من أراضيها في ما يسمى ب "أيلول الأسود" إثر محاولة الفلسطينيين اغتيال الملك الحسين و الانقلاب عليه لجعل الأردن منطقة محررة لهم و قاعدة انطلاق إلى إسرائيل، و خسر الفلسطينيون لبنان عندما انخرطوا في الحرب الأهلية اللبنانية إلى جانب القوى الوطنية التقدمية بزعامة كمال جنبلاط، و طردت ليبيا الفلسطينيين من أراضيها بعد معاهدة مدريد بين الفلسطينيين و الإسرائيليين، و طردت الكويت الفلسطينيين من أراضيها بعد تحريرها بسبب مساندتهم لصدام حسين في احتلال البلد الذي انطلق منه زعماء منظمة التحرير الفلسطينية، و طرد العراقيون الفلسطينيين مؤخرا من العراق بسبب مساندتهم للطاغية ( ولم ترد أية دولة عربية استقبالهم إلى أن قبلت بعض الدول الأوروبية مؤخرا استقبالهم كلاجئين)، وقاطعت الجزائر الزعيم ياسر عرفات بعد توقيعه معاهدة السلام مع الاسرائليين، و توجت الاختلافات الفلسطينية بالانقسام الداخلي و تم تخوين الزعيم الراحل ياسر عرفات من طرف حماس و غيرها من الفصائل و انتهى الانقسام بالاحتكام إلى السلاح و سفك الدماء الفلسطينية بأيدي فلسطينية، و انقلبت حماس على الشرعية و رمى أنصارها الفتحويين من أعلى العمارات و شاهد العالم البشاعة التي لم تستطع إسرائيل اقترافها في حق أعدائهم ، وتم تقسيم ما تبقى من فلسطين إلى إمارة دينية في غزة و إلى ما يشبه دولة مدنية في رام الله.

 

هنا نذكر فقط هذا "المناضل" الفلسطيني ببعض ما وقع و ما عايشناه ، هذا "المناضل" التي وصلت به الوقاحة ليقدم للأمازيغ في وطنهم درسا في الوطنية ، مقحما نفسه في أمور وطنية مغربية لا يفقه فيها إلا ما يفقهه في الدسائس و النزاعات الأخوية في وطنه بين الإخوة الأعداء ، فتحدث عن الأمازيغ بلفظة الانفصال متهما إياهم ب " النزعة الانفصالية" و البحث ل ".. كسب التأييد الدولي لمناصرة قضيتهم الانفصالية في المغرب" ، و نذكره فقط بغزة التي انفصلت عن الضفة و كونت إمارتها الدينية في جزء صغير على الشريط الساحلي و محاصرة من كل الجهات، و"الجمهورية العربية الصحراوية" التي رفعت لواء الانفصال عن البلد الأم المغرب، لنسأله من الذي يدعو إلى الانفصال ؟ و من الذي يعيش الآن انفصالا عن بقية شعبه و جزأ ما تبقي من وطنه ؟

 

ووصف هذا "الكاتب و المحلل الفلسطيني" الأمازيغ بالعمالة لأسرائيل،فلنذكره بالقائمة الطويلة من الشهداء زعماء الثورة الفلسطينية الذين اغتالتهم إسرائيل بوشاية من الفلسطينيين أنفسهم أمثال غسان كنفاني و أبوجهاد والشيخ ياسين و اللائحة طويلة و مفتوحة، ثم ماذا تنتظر إذن ممن وصفوا زعيمهم التاريخي و أبا الثورة الفلسطينية و من أخرج قضية الشعب الفلسطيني من قضية لاجئين إلى قضية شعب محتل و متشرد ، بالعمالة و بالخيانة و بأبشع الصفات عندما وقع معاهدة سلام مع إسرائيل و ضمن لشعبه مكانا تحت الشمس ، و بقي متمسكا بمبادئه التي ناضل من أجلها منذ انطلاق الرصاصة الأولى للمقاومة سنة 1965 إلى أن استشهد محاصرا، و رجع الذين نعتوه بالخيانة و بالعمالة لإسرائيل ليتحدثوا عن استشهاده ، ثم ليأخذ الرئيس الحالي و رفيق دربه في الكفاح نصيبه من تهم الخيانة و العمالة لإسرائيل، فما ذا ننتظر من أمثال هؤلاء الذين يصفون رموزهم التاريخية بالخيانة و العمالة سوى و صف الأمازيغ وغيرهم بالعمالة ؟

 

ثم ما استفاد هذا الكاتب و المحلل الفلسطيني من العداء للأمازيغ سوى تنفيذ الخطط الإسرائيلية، من حيث وعى بذلك أو لم يع، في تعميق الفجوة بين الشعوب العربية و الإسلامية و بين الشعب الفلسطيني، خصوصا في وقت انمحت فيه تلك الهالة و القداسة التي كانت تزين النضال الفلسطيني، انمحت مع الاقتتال الشنيع الذي شهدته غزة بين فتح و حماس على السلطة و نشر غسيليهما على القنوات الفضائية .

 

و العجيب في الأمر ان مثل هذا "المناضل" الفلسطيني في نعته للأمازيغ بالعمالة لاسرائل لم يستفد من التجارب المريرة التي عاشها الفلسطينيون في بعض الدول العربية التي آوتهم نتيجة تدخلهم في شؤونها الداخلية ، حدث في الاردن و أخرجوا منها في ما يسمى "أيلول الاسود"، و أخرجوا من لبنان بعد الحرب الأهلية اللبنانية التي كانوا طرفا فيها، ومن الكويت لمساندتهم الاحتلال العراقي لها، و من العراق حاليا لموالاتهم طاغية العراق السابق.

 

و في الأخير نقول لهذا الفلسطيني ،"مناضل المكاتب الفخمة" و "المناضل" بالوكالة، الذي كال للأمازيغ ما رشحت به نفسه من الخبث و نكران الجميل رفقا بنفسك فالبوصلة أخطأت الاتجاه ،و وفر الشتائم ( التي لن تسترجع أرضا و لن تقض مضجعا) لتزجية وقتك "النضالي" في المكاتب، و حسبك إسرائيل التي ما زالت تحتل شعبك في الضفة و تحاصر شعبك في غزة ، و دع عنك فتح جبهات مجانية بالوكالة لأن هذا ضرر و خسران لقضية شعبك العادلة و اتعظ بالتاريخ القريب، أما نحن فمهما نالنا الأذى من ناكري الجميل و من محترفي الشعارات الثورية ، فدوما نحن مع القضايا العادلة أيا كانت بغض النظر عن اللون أو اللغة أو الدين، لأن هذا من شيمنا نحن المغاربة ، شيم الأسلاف الأمازيغ التي لن نحيذ عنها.

و المجد والخلود لشهداء الثورة الفلسطينية الأبرار.

مقالات أخرى

****