إسرائيل بين أسطورة المسادا وتعاليم جابوتنسكي

مأمون شحادة

استوقفتني مقولة شهيرة لجابوتنسكي" إذا أراد المرء أن يستوطن بلداً يقطنه شعب، فعليه أن يجد من ينفذ له هذا الأمر. فإذا لم تكن هناك قوة مسلحة تقضي على كل حركة تعارض الاستيطان أو تمنعه أو تعرضه للخطر، فسيكون الاستيطان غير ممكن...إن الصهيونية مشروع استعماري استيطاني يرتبط تقدمه وتراجعه بقوة سلاحه. صحيح أنّه من المهم أن نتكلم العبرية، ولكن الأهم، بكل أسف، أن نتقن استخدام السلاح، وإلاّ فلا استيطان" .

بناء على ذلك فقد تبنى الجانب (الإسرائيلي) عقيدة حربية بنيت على منهج توراتي " السيف والتوراة نزلا من السماء معاً "، ما يعني أن الفكر العسكري الإسرائيلي هو فكر مبني على لغة التناقض مع المنطقة المنوي استيطانها، كحلقة متصلة الاوصال (اجتماعياً) للحفاظ على "كيانها" من الانقراض.

ان لغة التناقض تحمل في حيثياتها مسافة شاسعة ما بين الوجود الاسرائيلي والوجود العربي على ارض الواقع، بحكم أن (إسرائيل) محاطة من كل الدول العربية، و مختلفة عنها "بوحدة التكوين الوجودية"، اضافة الى ان العينة الديمغرافية للوطن العربي تلعب دورا "وجودياً" في تشكيل المنطقة من حيث الكثافة البشرية مقارنة بالعدد الضئيل للمجتمع الإسرائيلي، ما جعل الإسرائيليون يلجأون إلى الكثافة التكنولوجية والعسكرية وتشكيل جيش قوي في مواجهة الديموغرافيا العربية لجعل (إسرائيل) أمراً واقعاً من ضمن تلك المنطقة .

كل ذلك ترافق بتغذية فكرية لتعميق وترسيخ الوعي الإسرائيلي بأحقية (إسرائيل) في الوجود وانها وجدت لتبقى، حيث قامت الدولة العبرية بتفعيل الأسطورة التوراتية المسمى بـ "المسادا" والتي تتلخص " إن مقاتلين يهوداً ونساءهم وأطفالهم تحصنوا بقلعه اسمها المسادا بعد استيلائهم على مدينة القدس أثناء التمرد اليهودي على الحكم الروماني في العام 66 وهى قلعة تقع على قمة جبل صخري مطل على البحر الميت، وكان يقود المتمردين اليعازر بن باعى والذي حث جنوده على القتال حتى النهاية بدلاً من الاستسلام لجنود الرومان، وهذا طبقا للأسطورة التوراتيه، وتنتهي القصة بالمأساة المعروفة وانتحار المتمردين اليهود جميعا ونسائهم وأولادهم بشكل جماعي بدلا من إعلان الاستسلام "... من خلال تلك الإسطورة يتولد لدى "المجتمع الإسرائيلي" حالة من القلق والخوف على مصيره المرتبط بمصير دولته .

ان معالم هذه التغذية تجسدت في معالم تشكيل اللحمة العسكرية، حيث أن الجندي الإسرائيلي لدى دخوله خدمة الجيش يقسم بالعبارة التالية " اقسم أن لا تعود أسطورة المسادا مرة أخرى "، ما يعني أن وجود الدولة الإسرائيلية مرهون بإيجاد عقيدة حربية إسرائيلية يتحول فيها كل فرد موجود على تلك الدولة الى جنديا حارسا من اجل بقاء عنصر الدولة واستمرارها.

على اثر ذلك قامت (إسرائيل) بوضع عقيدتها الحربية معتبرة اياها عقيدة الحماية والاستمرارية وفق مبدأ المبادأة والمرونة والمباغتة والمناورة الواسعة في أعمال المسرح الحربي متبعة الهجوم الاستباقي على ارض الخصم مترافق مع استراتيجية الاقتراب غير المباشر .

يتضح من ذلك ان الإستراتيجية الحربية الإسرائيلية قامت على ثلاثة عوامل، وهي : العامل الزمني :

الاستمرار بالضربات الجوية لفترة طويلة من اجل أضعاف الخصم والسيطرة على أجواء المعركة، وعامل الاضعاف : تدمير القوة الدفاعية للخصم وغير الدفاعية، وعامل الهجموم المضاد : نقل المعركة إلى أرض الخصم لايجاد العمق الاستراتيجي .

لكن الذي يميز الحرب الإسرائيلية في أونتها الأخيرة لجوئها إلى حرب من نوع جديد، لاكمال عقيدتها الحربية سعيا لرسم حدودها الاقليمية، تحت ما يسمى " الردع والرادع الدولي " ، فالردع : قيام (إسرائيل) بتوجيه ضربة عسكرية رادعة للخصم مستخدمة في ذلك كل الأساليب المتاحة مسببة حالة من الدمار في المنطقة المستهدفة لإجبار الخصم على القبول بالشروط الدولية، اما الرادع الدولي : قدوم قوات دولية لحماية الحدود الإسرائيلية والتي تعتبرها (إسرائيل) أقوى من حالة الردع الأولى، ذلك لأنها تتماشى مع القانون الدولي معتبرة اياه متممة للضربة الأولى .

من خلال ذلك يتضح ان اسرائيل تسعى الى ترسيم حدودها (جوهريا) بمقولات توراتية (درع داود)، التي انطلق بها الأب الروحي للصهيونية فلاديمير جابوتنسكي تحت ما يسمى بـ"الجدار الحديدي" للحفاظ على اساسيات الكيان الصهيوني .

فإسرائيل اليوم عازمة على اتمام جدارها الامني والإتيان بـ"قوات دولية" لترسيم حدودها، ليتضح ان اسرائيل فشلت فشلا ذريعا في فرض حلولها بالقوة، وحتى "لو خاضت حروبا مستقبلية" لن تستطيع فرض "الامر بالواقع" على الدولة المنوي مهاجمتها، على الرغم من تفننها في اتقان واستخدام السلاح بنفس الطريقة التي بينها جابوتنسكي، ما جعلها تسير على خطى جابوتنسكي الثانية (الجدار الحديدي) لرسم اطرها الاقليمية، سعيا منها لادلجة تلك الاطر المرسومة بمتطلبات التغيرات الاقليمية والدولية، وفق منهج سياسي يرنو الى فتح صفحة جديدة تتوافق مع المنطقة .

ليتبين ان العمق الاستراتيجي الذي كانت تبحث عنه (اسرائيل) لحماية دولتها ذهب ادراج رياح التغيرات الاقليمية والدولية واستبدل بجدار وقوات دولية ترسم حدودها، ولكن ما هي معالم تلك الصفحة الجديدة بالمفهوم الاستراتيجي والجيوسياسي لعقيدة الحرب الاسرائيلية (الهلامية)، التي تشبه عنصر الزئبق في هلاميته ؟ وهل حرب الاغتيالات (الاسرائيلية) اصبحت بديلاً عن الحروب التقليدية، ام انها متممة لها ؟

مقالات أخرى

****