الفلسطينيون والمقاربة مع الصهيونية

 

عبد الله خليفة

كل مشروعاتِ التحررِ والنهضة العربية لم تـُنجز بسببٍ بسيطِ التعبير عسير التنفيذ، وهو إقامة صناعات ثقيلة وخفيفة عربية ويرفدها تعليمٌ متقدمٌ وعلاقاتٌ اجتماعية متطورة، وإذا بُنيتْ هذه تكسرتْ المؤامراتُ الأجنبية على صخرتِها كما كانوا يقولون في الأدب العربي السياسي السابق، يذكرهُ الله بالخير.

ونظراً لعجزِ الأنظمةِ العربيةِ الحالية عن إيجاد هذه الوحدة الصناعية المركبة، لأسبابٍ وطنيةٍ ولأسبابٍ قومية متداخلة، فإن عجزَ سياسة المقاومة هو إجباري، أو هو نتيجة لمقدمةٍ ضرورية.

إن عدم إنجاز الثورة الصناعية الديمقراطية الوطنية القومية التي تتشكل من خلال مركب معقد بين تطوير القوى الإنتاجية المحلية في كل بلد، وبين استخدام الثروات النفطية وغيرها في هذا التطوير القومي المشترك، وبين جعل مثل هذه الثروات قومية، وبجلب كل قوى العمل المعطلة في الأرياف وبين النساء وفي أجهزة الدول وتثويرها بالحداثة والتقنية وبالثورة المعلوماتية، بين كل هذا الخيال العلمي وتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة والحرية والديقراطية سدودٌ كبيرة عصية!

وفي الجرح دائماً .. تحرير فلسطين!

عدم إنشاء هذه الشروط المعتدلة على الأرض الوطنية - القومية ولعدم إنباتها إنباتاً حسناً تنفتحُ الأبوابُ للمغامرات!

ليس ابن لادن سوى الأمريكي الكاوبوي والسوبرمان و.. و... بأجنحته المطاطية التراثية، الذي عبدهُ ابنُ الجزيرة العربية ونسخهُ في أفلام طرزان وغيره وحاول أن يقلدهُ، لكن كانت قدماه من طين ومن ورشٍ خشبية ومن لهو كثير، فهو لا يملكُ صناعةَ الأمريكي الثقيلة فاستعارها ليحاربه مدة وجيزة فقط!

وقد وجد الفلسطيني نفسه يحاولُ أن يحلقَ بالجمل الثورية الرنانة زمناً طويلاً فخطفَ بعضُ أفرادِهِ الطائراتِ وقاموا بالتحليق الفضائي من دون أن يستطيعوا الاقترابَ من نيويورك وهذه بلغتها المغامراتُ الجزيرية النفطية بسببِ مستوى الدخل لا بسببِ تطور العقلية!

وقد حلّقَ الفسطيني المجردُ هذا طويلاً ثم حط على الأرض الواقعية أخيراً. وقد انقلب بين نموذجين كلاهما يحاولُ تقليدَ الصهيوني.

النموذج الأول هو نموذج الارهابي في الصهيوني، أن يماثله في إرهابه وغدره وقتله المدنيين وعدم وجود أخلاق لديه.

لقد كره اليهودي المتعصب السياسي الفاشي إلى أن أحبه داخله، وليس ثمة من مفر مع الاعجاب المضمر لسياسة هذا الصهيوني ونجاحاته السياسية والعسكرية المستمرة سوى أن يتبناه داخلياً، أي أن يعبدهُ وهو يكرهه، ولعدم تطور الوعي لدى هذا الفلسطيني بسبب مجيئه من ايديولوجيات تعصبية قومية ودينية، سوى أن يكون صهيونياً عربياً.

فاختارَ أساليبَهُ وارهابيته وأعطاها مظهراً دينياً لكي يبررها لنفسه، بعد أن انتزع الإسلام من تاريخه، وعلقه في فضاء سياسته الذاتية.

لقد هدمَ الإسلامَ من ناحيةٍ وهدمَ اليهودية من ناحية أخرى.

أي أن الصهيوني والفلسطيني الارهابي شكلا وحدةً مشتركة، نقضا بها إنسانية الأديان السماوية.

لم يظهر اليهودي المسالم والديمقراطي لأسبابٍ تخص الجيتو الحديث الذي أحكمتْ أبوابَهُ وزنزاناتهُ الصهيونيةُ، ولم يعملْ الفلسطيني الارهابي على مد اليد لهُ، وتركهُ للصهيوني، لأنه لم يؤمنْ بالأديان الإنسانية، ففي عمقِ نفسهِ ليستْ الأديانُ سوى أدواتٍ ضحلة، أدواتِ خداع وسياسة، ليس فيها عمق أخلاقي ولا ضمير، فاليهودي زائفٌ والأصيل هو الصهيوني، ولهذا لابد من مماثلةِ الصهيوني في سياستهِ، واليهودي في شكله الخارجي، في مزاعمه فقط!

لابد من مماثلته في جرائمه وأساليبه وسحقه بهذه الطريقة التي سوف تنتصر لا محالة، وكأن الصهيوني يعيشُ في فضاءٍ مجرد، ليس حوله مصانع وأجهزة متطورة وقوى بشرية كثيفة قادرة على دعمه، فيتم تحليق المعركة على طريقة طرزان مرة أخرى الذي كان ينتصر في الغابات!

والصنف الثاني من الفلسطيني هو الفلسطيني الذي صار تابعاً للصهيوني كعسكري ثانوي، وناطور وما شابه ذلك. وهذا نموذج الفئات العربية التابعة دائماً، فلا تستطيع أن توجد طريقاً آخر للمقاومة بين سياسة الانتحار وسياسة الاستسلام.

إنه يؤسسُ لدويلةٍ تابعة صغيرة ممزقة، فلا يربط نفسه بنضال الشعب، ولا بنضال الأمة.

المقاربون مع الصهيونية من جهتين يقدمون الأدوات لتقزيم الفلسطيني الوطني، الشق الصغير بين المجنونين، عبر الجمل الثورية واستنساخ الصهيوني والتبعية لنموذجه المارد، ولو كانت لهم أدواته لهان الأمر، لكن ليس لديهم منه سوى اشباحه، وكلما استنسخوهُ تمزقت الأرضُ أكثر، وتحطم الشعب.

وهؤلاء من البرجوازية الصغيرة أشبعوا الأمة من مفرقعاتهم الثورية، ومن مشروعات التجاوز، التي هي استعادة للصهيوني من دون قوته، ليس لديهم صبر ثوري ولا بُعد نظر ولا تحالفات صحيحة، وغالباً ما يفشلون في التحالفات خاصة، فهم يريدون التسلق، لا الإنتاج الحقيقي، ولهذا صار الصهيوني هو النموذج في اللاوعي السياسي.

مقالات أخرى

****