حول الموقف السوفيتي من مسألة فلسطين في العامين 1947 - 1948

 

داود تلحمي

في رد على أحد أسئلة صحيفة عربية خليجية تناول موقف الشيوعيين من قرار تقسيم فلسطين والإعتراف بإسرائيل، أجاب الكاتب الفلسطيني داود تلحمي بالتالي:

إذا كان المقصود هو تصويت الإتحاد السوفييتي في العام 1947 لصالح مشروع قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم اعترافه بإسرائيل في العام التالي، فهذا موضوع قابل للنقاش طبعاً، ولكنه يحتاج الى دراسة لخلفيته ولدوافع وحسابات موسكو آنذاك. وهو قرار سياسي اتخذته القيادة السوفييتية، ومن الواضح الآن، بعد مرور كل هذا الزمن، أنه كان قراراً له طابع تكتيكي وظرفي، سنتناوله بتفصيل أكبر لاحقاً.

ولكن ما ينبغي قوله أن قوى اليسار في العالم عامةً، والأحزاب الشيوعية خاصةً، وفي منطقتنا العربية بالتحديد، لا تتحمل المسؤولية عنه وعن تبعاته، وإن كان بعضها تجاوب معه لأسباب لها علاقة بالمفهوم السائد آنذاك للأممية، وللعلاقة بين هذه الأحزاب والإتحاد السوفييتي.

ولكن المفارقة التي ينبغي التشديد عليها تتمثل في كون إثارة هذا الموضوع، أي موضوع الموقف الرسمي السوفييتي في العامين 1947-1948 من تقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، وهو موضوع قابل للنقاش والتقييم التاريخي كما كل السياسات السوفييتية، كما ذكرنا، كانت تُستخدم، في البداية وفي فترات لاحقة، من قبل أوساط غربية أو حليفة لها، في سعي للتغطية على حقيقة أساسية تتجسد في كون الدول الإستعمارية الغربية هي التي رعت المشروع الصهيوني منذ بداياته، وأوصلته الى قيام الدولة الإسرائيلية على حساب حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه في العام 1948، ثم دعمت هذه الدولة بعد ذلك في سياساتها العدوانية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني وشعوب الجوار العربي. والمقصود بالدول الإستعمارية بريطانيا، أولاً، التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، ثم تبنت سياسة رعاية المشروع الصهيوني في فلسطين، التي وقعت تحت الإنتداب البريطاني بقرار من عصبة الأمم (الهيئة الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى) في العام 1922، بعد أن كانت القوات البريطانية قد دخلت أرض فلسطين واحتلتها منذ أواخر العام 1917.

والى جانب بريطانيا، يمكن أن نسجّل مسؤولية الولايات المتحدة، التي دعمت الحركة الصهيونية، خاصة منذ مطلع الأربعينيات، وضغطت من أجل نقل يهود أوروبا، المضطهَدين من قبل النظام النازي الألماني في أنحاء القارة، الى فلسطين، وامتنعت، بالمقابل، عن فتح أبواب أميركا نفسها لاستيعاب هؤلاء اليهود الأوروبيين. ثم قدمت كل أشكال الدعم السياسي والمادي والتسليحي للدولة الإسرائيلية، حتى في الأشهر التي سبقت قيامها كما كشفت بعض الوثائق المعلنة مؤخراً حيث أُقيم جسر جوي لإرسال الأسلحة الى المجموعات الصهيونية المسلحة في فلسطين منذ صدور قرار التقسيم. وبلغ الدعم الأميركي التسليحي والمالي أرقاماً قياسية بعد عدوان إسرائيل على المحيط العربي في حرب العام 1967، حيث وصلت قيمة المساعدات العسكرية والإقتصادية في معظم الأعوام منذ ذلك التاريخ الى أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً، بما يجعل إسرائيل الدولة الأولى، وبمسافة، من حيث حجم الدعم الأميركي الخارجي لدول العالم، وحتى الآن.

وبعد قيام إسرائيل، قدمت فرنسا دعماً عسكرياً وأمنياً واسعاً لها، بما في ذلك في مجال بناء المفاعل النووي في ديمونا وبدء إنتاج القنابل النووية، بعلمٍ مبكّر من الولايات المتحدة، التي ساهمت في التغطية على هذا التطور الخطير في منطقتنا، وما زالت حتى الآن تحول دون أي قرار دولي يدعو الى إخلاء منطقتنا من الأسلحة النووية، دفاعاً عن "حق" إسرائيل وحدها في المنطقة بامتلاك السلاح النووي.

***
وهكذا، فإن المسؤولية الكبرى في دعم ورعاية المشروع الصهيوني على حساب الحقوق الوطنية لشعب فلسطين العربي تقع على عاتق الدول الإستعمارية الغربية التي رعت وناصرت الحركة الصهيونية ودعمت مشروع "الوطن القومي" لليهود ثم الدولة الصهيونية في فلسطين، لحسابات وأغراض لها علاقة، بالأساس، بمشاريع السيطرة على المنطقة، وخاصة بعد بدء اكتشاف الثروات النفطية فيها.

ومعروف أن قرار عصبة الأمم إعلان الإنتداب البريطاني على فلسطين ارتكز على الوعد الشهير لوزير الخارجية البريطاني، آرثر بلفور، في رسالة كان قد وجهها بتاريخ 2/11/1917 الى قادة الحركة الصهيونية متعهداً فيها باسم الحكومة البريطانية بتسهيل إقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين، كما سبق وأشرنا.

وكانت بريطانيا آنذاك، في أواخر الحرب العالمية الأولى، تسعى مع فرنسا لاقتسام الغنائم العثمانية في المشرق العربي، وتتطلع الى سيطرة واسعة على مناطق النفط المكتشفة حديثاً، في العراق خاصةً آنذاك، بعد أن كان النفط قد اكتُشف واستُخرج في إيران من قبل شركات بريطانية قبل الحرب العالمية الأولى ببضع سنوات، قبل أن يُكتشف لاحقاً في أنحاء الخليج والجزيرة العربية.

ووجود كيان (وطن قومي)، أو دولة، حليفة مضمونة للدول الغربية في المنطقة أمر مهم على هذا الصعيد، بحيث تشكّل قاعدة ارتكاز ثابتة للمساهمة في حماية مصالح الغرب الحيوية هذه، وفي الحؤول دون المساس بها. في حين لا تطمئِن الدول الإستعمارية الى شعوب المنطقة وأنظمتها، القابلة للتغيّر أو التأثر بالضغط الشعبي.

ومعروف أن استعمال النفط في وسائل المواصلات المدنية والعسكرية، بما في ذلك الدبابات والطائرات والسفن، أخذ يتسع بشكل كبير منذ مطلع القرن العشرين، وخاصة منذ بدء الحرب العالمية الأولى، على حساب وسائل النقل التقليدية السابقة (العربات والحيوانات)، واستخدام الفحم في توليد الطاقة بالنسبة للقطارات والسفن حتى ذلك الحين.

وجدير بالإشارة أن دور بريطانيا لم يقتصر على رعاية المشروع الإستيطاني الصهيوني والتحضير لقيام الدولة الإسرائيلية، وإنما أيضاً تجسّد في اغتيال أية إمكانية واقعية لإقامة دولة عربية فلسطينية، حتى على أرضية قرار التقسيم في العام 1947، وهو ما بات الآن معروفاً بعد الكشف عن الوثائق السرية التي تُظهر دور بريطانيا وضباطها في جيوش وقواعد المنطقة العربية في منع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة الموحدة أولاً، ثم الدولة العربية الفلسطينية في المناطق التي لم تحتلها القوات الصهيونية أثناء حرب العام 1948.

ولا يغيّر من هذه الحقيقة كون بعض التناقضات قد ظهرت بين الحكومة البريطانية والحركة الصهيونية، أو بعض أطرافها، إثر نشر "الكتاب الأبيض" البريطاني الشهير في العام 1939، والذي استهدف، في حينه، التخفيف من نقمة الشعب العربي الفلسطيني، التي انفجرت بشكل ثورة عارمة بين العامين 1936 و1939، وهي الثورة التي دفعت بريطانيا الى اتخاذ مواقف علنية لصالح التقنين من حجم الهجرة اليهودية الى فلسطين في هذا "الكتاب الأبيض"، والتعهد بمحاولة الحد من نهب الأراضي الفلسطينية من قبل الوكالة اليهودية وما نتج عن هذا النهب من إلقاء لمئات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين، وخاصة من الفلاحين والمزارعين، على أرصفة البطالة والفقر وفقدان الأرض، وفي نهاية المطاف فقدان الوطن والحقوق.

والى جانب بريطانيا، دأب الساسة الأميركيون في وقت مبكر، كما ذكرنا، على تشجيع قيام الدولة الصهيونية وتقديم الدعم لها. ولا يقتصر الأمر على قرار الرئيس الأميركي هاري ترومان في 14 أيار/مايو 1948 بالإعتراف بالدولة الصهيونية بعد 11 دقيقة من إعلانها لتكون واشنطن أول عاصمة تعترف بها. بل إن الرئيس الذي سبقه، فرانكلين روزفيلت (1933-1945)، لم يألُ جهداً لمحاولة إقناع حتى بعض الدول العربية بقبول الهجرة اليهودية الى فلسطين وقيام الدولة الصهيونية على أرضها، وهو ما حاوله روزفيلت في لقائه الشهير مع الملك عبد العزيز آل سعود في 14/2/1945 على إحدى البوارج الأميركية في البحيرات المُرة في قناة السويس، بعد أيام من قمة يالطا، على ضفاف البحر الأسود، مع الزعيم السوفييتي يوسف ستالين ورئيس الحكومة البريطانية ونستون تشيرتشل. حيث كان الموضوعان الرئيسيان في اللقاء، الأول من نوعه، بين الزعيمين الأميركي والسعودي، هما موضوع المصالح الأميركية في مجال النفط في أراضي المملكة السعودية، من جهة، ومحاولة تليين موقف الملك عبد العزيز بشأن الدولة اليهودية، من الجهة الأخرى، كما تشير الى ذلك الوثائق التاريخية المعلنة عن هذا اللقاء.

ومعروف أن روزفيلت نجح في الموضوع الأول، حيث عزّز اللقاء الحضور الأميركي في السعودية نفطياً وعسكرياً، ولكنه لم ينجح في تليين موقف الملك عبد العزيز، آنذاك، في معارضة قيام الدولة اليهودية في فلسطين. وكان الملك عبد العزيز قد دعا في اللقاء الى إقامة الدولة اليهودية في ألمانيا، البلد المتسبب في اضطهاد اليهود برأيه، مما جعل اللقاء بين الزعيمين ينتهي الى مجرد تعهد من قبل روزفيلت للملك السعودي بعدم الإقدام على أية خطوة في هذا الموضوع قبل استشارة العرب واليهود، بما في ذلك عاهل السعودية نفسه، في وقت كانت فيه الأوساط المؤيدة للحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، بما في ذلك زوجة روزفيلت، إليانور، تشن حملات ضغط واسعة لتوفير كل أشكال الدعم المادي والسياسي للمشروع الصهيوني في فلسطين.

لكن حتى هذا الإلتزام اللفظي، الذي كرره روزفيلت في رسالة خطية بعثها الى الملك عبد العزيز بتاريخ 5/4/1945، أي قبل أسبوع من وفاته (أي وفاة روزفيلت)، وقبل زهاء الشهر من استسلام ألمانيا النازية في الحرب، لم يتقيد به نائب الرئيس هاري ترومان، الذي أصبح رئيساً بعد وفاة روزفيلت، حيث مارس سياسات داعمة بشكل صارخ للحركة الصهيونية وضاغطة لفتح باب الهجرة واسعاً أمام اليهود الأوروبيين. وعشية الإعلان عن قيام الدولة الإسرائيلية يوم 14/5/1948، اندفع ترومان باتجاه الإعتراف الرسمي السريع بإسرائيل، خلافاً لآراء بعض كبار المسؤولين في الخارجية الأميركية، ومنهم وزير الخارجية نفسه جورج مارشال، الداعية الى عدم إغضاب الأطراف العربية عبر الإنحياز الكامل لصالح الجانب الإسرائيلي، خشية على المصالح النفطية، والإستراتيجية عامةً، الأميركية في المنطقة العربية.

وكان ترومان يعتبر أن المواقف الرسمية العربية ستتأقلم، بعد قيام إسرائيل، مع الواقع الجديد، وأن حكام الدول العربية المعنية بحاجة الى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى بنفس القدر، أو أكثر، من حاجة الغرب إليها والى ثروات بلادها. علاوةً على الرهان الأميركي المُضمر على دور إسرائيل الإقليمي المساعد في المنطقة، من حيث الإستعداد الدائم للتدخل، عندما يقتضي الأمر، للحد من تنامي نزعات الإستقلال والتحرر في المنطقة العربية المشرقية. وهو ما حصل فعلاً بعد ذلك أكثر من مرة، سواء في الحرب على مصر في العام 1956 بعد تأميم قناة السويس، أو في عدوان العام 1967 الواسع والمتعدد الجبهات، أو الحروب والإعتداءات والتدخلات الأخرى العديدة التي قامت بها إسرائيل بعد ذلك، بما فيها الحرب في أواسط العام 1982على لبنان وقوات منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيه.

وفي كل الأحوال، فإن التحالفات التاريخية بين الحركة الصهيونية ودولتها إسرائيل، من جهة، والدول الإستعمارية الرئيسية في العالم، من جهة أخرى، هي كانت السمة الرئيسية للسياسة الدولية الصهيونية..

والتذكير بكل هذه الحقائق ضروري حتى لا نقع في فخ نسيان هذا الدور الإستعماري الغربي الرئيسي في دعم المشروع الصهيوني مقابل تضخيم خلفيات وحجم تأثير التحوّل في الموقف الرسمي السوفييتي في الفترة 1947-1949.

وبشأن هذا الموقف، لا بد من التذكير بأن الموقف التاريخي للحركة الشيوعية العالمية وللإتحاد السوفييتي تجاه الحركة الصهيونية، منذ بداياتها، كان شديد الوضوح في سلبيته. حيث كان يرفض فكرة "الدولة اليهودية" من حيث المبدأ. وهناك كتابات جلية جداً على هذا الصعيد من قبل مؤسس الدولة السوفييتية نفسه، فلاديمير لينين، في وثائق الأممية الثالثة (الأممية الشيوعية)، اعتبر فيها الحركة الصهيونية "حركة رجعية" تقوم على أيديولوجية "قومية بورجوازية" وتقود عملياً الى تقسيم صفوف الطبقات العاملة في بلدان أوروبا. كما أدان لينين والأممية الشيوعية بوضوح مسألة تهجير اليهود الأوروبيين الى فلسطين ومصادرة وسلب أراضي سكان فلسطين العرب، وذلك في نصٍ تم الإعلان عنه في المؤتمر الثاني للأممية الثالثة في العام 1920، ودعا، حرفياً، الى فضح أعمال الإمبرياليين، خاصةً "في قضية الصهاينة في فلسطين، حيث، تحت ذريعة إقامة دولة يهودية، في هذا البلد الذي لا يتجاوز فيه عدد اليهود أرقاماً محدودة جداً، تقوم الصهيونية بإلقاء السكان الأصليين من العمال العرب في أتون الإستغلال الإنكيزي". وهذا الربط بين الصهيونية والإمبريالية تم التأكيد عليه، وبالإجماع، في "المؤتمر الأول لشعوب الشرق"، الذي انعقد بدعوة من "الأممية الشيوعية" في مدينة باكو الأذربيجانية في أيلول/سبتمبر من العام ذاته. ووثائق كل هذه المؤتمرات موجودة حتى على شبكة الإنترنت.

واستمر هذا الموقف تجاه الصهيونية من قبل القيادات السوفييتية بعد وفاة لينين في مطلع العام 1924، وطوال العقود اللاحقة. كما كانت هناك حركات مناهضة للصهيونية في الإتحاد السوفييتي ولدى العديد من الأحزاب اليسارية والشيوعية، بما في ذلك وخاصة في منطقتنا العربية.

ومعروف أن التغيّر في الموقف الرسمي السوفييتي من حل الصراع في فلسطين، والذي تم الإعلان عنه في خطاب لممثل الإتحاد السوفييتي آنذاك في منظمة الأمم المتحدة، أندريه غروميكو، ألقاه في 14/5/1947 في سياق مناقشة كانت تجري في مقر المنظمة الدولية بشأن حل الصراع في فلسطين بعد أن أعلنت بريطانيا عن عزمها التخلي عن انتدابها لفلسطين في العام التالي، هذا التغيّر من موقف كان يدعو لدولة مستقلة موحدة في كل فلسطين الى موقف يؤيد فكرة التقسيم الى دولتين، كان، على صعيد الدولة السوفييتية، بالأساس، موقفاً ظرفياً أملته حسابات تلك المرحلة من وجهة نظر القيادة السوفييتية، كما تبرز ذلك بعض الوثائق التي تكشفت مؤخراً. ويبدو أن الموقف السوفييتي الجديد انطلق من حسابات لموازين القوى وللمعطيات القائمة في العالم وفي المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد بدء مرحلة ما سُمي بـ"الحرب الباردة"، وهي الحرب التي شُنت من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما الآخرين بهدف محاصرة الإتحاد السوفييتي و"احتوائه"، والحد من تمدد نفوذ القوى الشيوعية، واليسارية عامةً، في العالم.

وتعبير "الإحتواء" هذا استُخدم بشكل واسع بعد خطاب الرئيس الأميركي هاري ترومان في شباط/فبراير 1947 الذي أعلن فيه عن هذه السياسة، والتي بدأت، في حينه، بالحديث عن منع انتصار الشيوعيين في اليونان، البلد الذي كان يشهد حربا داخلية لا علاقة للإتحاد السوفييتي بها، كانت الغلبة فيها، في البداية، للشيوعيين اليونانيين، الذين كانوا يتلقون الدعم خاصةً من يوغسلافيا المجاورة. وسياسة "الإحتواء" هذه من قبل الولايات المتحدة عُرفت بعد ذلك باسم "مبدأ ترومان"، وهي التي حكمت مرحلة "الحرب الباردة" والعديد من الحروب الساخنة المحلية والإقليمية، من حرب كوريا في مطلع الخمسينيات الى حرب فييتنام بعد ذلك والعديد من الحروب الأخرى، التي تورط الأميركيون في بعضها بشكل مباشر، كما كان الحال في كوريا وفييتنام، وفي عدد من دول أميركا اللاتينية والكاريبي ودول العالم الأخرى.

ومن أجل الدقة التاريخية، فإن القيادة السوفييتية، عبر الموقف الجديد الذي اتخذته في أيار/مايو 1947 من مسألة تقسيم فلسطين، لم تكن تراهن على دولة إسرائيل كدولة "اشتراكية"، كما أُشيع في بعض التحليلات والتفسيرات في حينه، والتي انطلقت من فرضية انتماء القيادات الصهيونية الرئيسية آنذاك الى أفكار التيار الإجتماعي الديمقراطي، أي تيار "الدولية الإشتراكية" أو ما يُعرف باسم الأممية الثانية، التي كان ينتمي إليها بعض الأحزاب الأوروبية مثل حزب العمال البريطاني وأحزاب يسار الوسط الشبيهة في عدد من البلدان الأوروبية الأخرى. حيث من المعروف ومن الموثّق بشكل واسع أن الإتحاد السوفييتي والأممية الثالثة (الأممية الشيوعية، "كومينتيرن")، التي تأسست بعد الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، وكان مقرها في موسكو، كانت شديدة العداء والنقد للحركة الصهيونية ولمشروع تهجير اليهود الأوروبيين الى فلسطين، كما سبق وأشرنا أعلاه، وكانت على خلاف واسع مع تيار "الإجتماعية الديمقراطية"، الذي كان ينتمي إليه الحزب الرئيسي في الحركة الصهيونية، آنذاك، حزب "ماباي"، الذي كان دافيد بن غوريون أحد أبرز مؤسسيه. ومعروف أن بن غوريون أصبح أول رئيس حكومة لدولة إسرائيل، بعد الإعلان عن قيامها. وقد استمر حزب "ماباي" في قيادة الدولة الإسرائيلية بدون انقطاع حتى العام 1977، حين نجح، لأول مرة، التيار الصهيوني اليميني المنافس له، بقيادة مناحيم بيغن.

في الواقع، ووفق المعلومات التي تم كشفها مؤخراً، كانت القيادة السوفييتية تسعى من خلال هذا الموقف الجديد تجاه الحل في فلسطين الى تسريع عملية خروج القوات البريطانية من المشرق العربي، في وقت كانت فيه بريطانيا ما زالت هي القوة الإستعمارية الرئيسية في تلك المنطقة، بالرغم من تراجع قوتها العالمية إثر الحرب العالمية الثانية، وبدايات الدخول الأميركي الى المنطقة. وكان هذا الموقف السوفييتي يأتي، بالتالي، في سياق حسابات مرحلة الصراع التي أُطلق عليها تعبير "الحرب الباردة".

ومعروف أن الولايات المتحدة كانت لها، منذ وقت مبكر، علاقات نفطية مميزة مع المملكة السعودية، حيث كانت شركة أميركية هي التي حصلت على أول امتياز للتنقيب عن النفط في المملكة في العام 1933.

وكانت الولايات المتحدة قد اعترفت بالمملكة السعودية قبل ذلك بعامين، أي في العام 1931، في حين أن الإتحاد السوفييتي كان قد سبق الولايات المتحدة في الإعتراف الكامل بمملكة الحجاز، التي أصبحت تحمل اسمها الحالي، المملكة العربية السعودية، منذ العام 1932.

وكانت واشنطن قد ضغطت قبل ذلك، خلال العشرينيات الماضية، على بريطانيا لتكون للويات المتحدة ولشركاتها النفطية حصة في استثمار النفط العراقي، وهو ما تحقق لها في اتفاق مع بريطانيا أُبرم في أواخر العشرينيات. وهو ما يُظهر أن المنطقة كانت مسرحاً لتنافس فعلي بين الحليفين البريطاني والأميركي منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، بشكل أولي، وهو تنافس استمر بعد الحرب العالمية الثانية، الى أن سلّمت بريطانيا لاحقاً بالأولوية الأميركية.

وعلى سبيل المثال، يُروى في بعض الوثائق التاريخية أن ونستون تشيرتشل، رئيس حكومة بريطانيا ابان الحرب العالمية الثانية، انزعج عندما علم بأن الرئيس الأميركي روزفيلت ينوي الإنتقال بعد قمة يالطا في شباط/فبراير 1945 للقاء الملك عبد العزيز آل سعود في قناة السويس، وهو اللقاء الذي أشرنا إليه أعلاه.

وهذا الإنزعاج دفع تشيرتشل الى ترتيب لقاء سريع مع الملك السعودي بعد لقاء الأخير مع الرئيس الأميركي بأيام، وذلك خشيةً من الزعيم البريطاني من اتساع النفوذ الأميركي في شبه الجزيرة العربية على حساب المصالح البريطانية. وتفيد روايات اللقائين بأن الملك عبد العزيز ارتاح أكثر الى سلوك روزفيلت تجاهه، وانزعج من عجرفة تشيرتشل، ومال بالتالي لتفضيل الحضور الأميركي في مجال استثمار النفط، كما على صعيد وجود حضور عسكري أميركي في الظهران.

ولكن الدور الأميركي لم يتسع على نطاق واسع في منطقة شرق المتوسط، لوراثة نفوذ الإستعمار الأوروبي في هذه المنطقة، إلا بعد حرب السويس (العدوان الثلاثي على مصر) عام 1956 وإعلان ما عُرف باسم "مبدأ أيزنهاور" في العام التالي 1957 لـ"ملء الفراغ" الناجم في المنطقة عن تراجع حضور القوى الإستعمارية الأوروبية التقليدية وهزيمتها في أزمة السويس، وكذلك سعياً من قبل واشنطن للحؤول دون تمدد النفوذ السوفييتي فيها.

***
ومعروف أن نفوذ فرنسا في المشرق العربي تراجع كثيراً أبان وبعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن أضعفها انهيار حكومتها المركزية إثر الإحتلال النازي لها في أواسط العام 1940 بحيث تحولت مرجعية بعض مستعمراتها ومناطق نفوذها، بما في ذلك سوريا ولبنان في مشرقنا، الى الحكومة التابعة للإحتلال النازي، التي تشكلت، تحت سقف الإحتلال، في مدينة فيشي، في وسط فرنسا والى الجنوب من باريس. وذلك قبل أن تميل الكفة في السنوات اللاحقة لغير صالح "المحور" النازي- الفاشي. حيث لم يلبث كلٌ من لبنان وسوريا أن استقلا عن فرنسا، الأولى في العام 1943 والثانية في العام 1946، بحيث بات الحضور الفرنسي بعد ذلك ذا طابع مختلف وبشكل عام تراجع كثيراً، خاصة بعد صعود المد الوطني في المشرق العربي في الخمسينيات والتضامن الواسع فيه مع ثورة شعب الجزائر (1954-1962) ضد الإستعمار الفرنسي.

***
وعودةً الى الموقف السوفييتي، حيث كانت هناك اعتبارات واسعة، أشرنا إليها، دخلت في حسابات تحوّل هذا الموقف في ربيع العام 1947 لصالح فكرة التقسيم وقيام دولتين في فلسطين، أهمها بدايات الدخول في مرحلة "الحرب الباردة"، خاصة بعد الخطاب الشهير للرئيس الأميركي آنذاك هاري ترومان في 12/3/1947 حول "احتواء الشيوعية ومنع تمددها"، كما ذكرنا، وكان الهاجس الأميركي آنذاك ما يجري في اليونان وتركيا، حيث دعا ترومان الكونغرس الى إقرار مساعدات خاصة للجهات اليونانية والتركية المعادية للإتحاد السوفييتي، خاصة بعد أن وصلت أوضاع بريطانيا المالية الى حضيض أصبحت فيه عاجزة عن مواصلة دعم الحكومة الملكية في اليونان في وجه الثوار الشيوعيين.

فالإتحاد السوفييتي كان، على ما يبدو، يسعى للتخفيف من ضغوط هذه "الحرب" والحصار المرافق لها عليه، خاصة وأنه كان في مرحلة إقتصادية صعبة، مرحلة إعادة بناء البلد بعد الدمار الهائل الذي أحدثه الهجوم النازي ومجمل الحرب العالمية فيه، خاصة وأنه البلد الذي تعرض للحجم الأكبر من الخسائر البشرية والمادية في هذه الحرب، حيث تقدّر الخسائر البشرية، بين عسكريين ومدنيين، بحوالي 27 مليون نسمة من أصل حوالي 64 مليوناً هو الرقم المقدّر لحجم الخسائر البشرية في هذه الحرب في أنحاء العالم.

والى جانب ذلك، لا ينبغي الإستهانة بالمناخ العالمي الذي ساد في تلك الفترة حول اضطهاد اليهود من قبل النازيين أثناء الحرب، وهو مناخ استغلته الحركة الصهيونية بقوة للضغط على بريطانيا لوقف التزامها بتعهدات "الكتاب الأبيض" الصادر عنها في العام 1939 بشأن الحد من الهجرة اليهودية الى فلسطين وربط استمرار الهجرة بعد خمسة أعوام من تاريخه بموافقة السكان المحليين. كما استغلت الولايات المتحدة هذا المناخ بدورها للضغط على بريطانيا بالإتجاه ذاته، بهدف تشجيع انتقال اليهود المقيمين في المعسكرات المؤقتة في أنحاء أوروبا، بما في ذلك في جزيرة قبرص، الى فلسطين. ويذهب الرئيس الأميركي ترومان في كتاباته اللاحقة على انتهاء ولايته الى الإشارة، بشيء من التذمر، الى الضغط الهائل الذي كان يتعرض له من قبل الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة والعالم لدعم مطالبها ومشروعها في فلسطين، في حين، كما يقول ترومان نفسه، أنه يعتبر نفسه مؤيداً كبيراً للصهيونية ومشروع "الدولة اليهودية".

وفي كل الأحوال، فإن الإستدارة التي حصلت في الموقف السياسي – الدبلوماسي السوفييتي في ربيع العام 1947 لم تستمر طويلاً، وما لبثت العلاقات بين الإتحاد السوفييتي وحلفائه في أوروبا الشرقية من جهة، وإسرائيل، من جهة أخرى، أن توترت، ومنذ العام 1949، حيث بدأت في بعض بلدان أوروبا الشرقية، التي كانت القوات السوفييتية متواجدة فيها، ملاحقات لبعض الساسة والمسؤولين بتهمة التعاطف مع الصهيونية.

ووصلت الأمور في العام 1953 الى حد قطعٍ للعلاقات الدبلوماسية بين الإتحاد السوفييتي وإسرائيل، استمر عدة أشهر. وتواصل التباعد بين الجانبين، السوفييتي والإسرائيلي، خاصة مع تنامي قوة حركة التحرر العربية في المشرق العربي، وصعود قوى وطنية وتقدمية الى واجهة السلطة في مصر وسوريا، ولاحقاً في بلدان عربية أخرى، حيث أُقيمت في حينه علاقات واسعة بين هذه الأنظمة العربية الجديدة وكلٍ من الإتحاد السوفييتي والأنظمة الحليفة له في أوروبا الشرقية.

وجاءت عملية إرسال الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا الى مصر الناصرية في العام 1955 كمؤشر أول بارز على هذه السياسة، تلتها مواقف القيادة السوفييتية أبان العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، والتي وصلت الى حد تهديد واضح وصريح من قبل رئيس الوزراء السوفييتي، آنذاك، نيكولاي بولغانين، في رسائل وُجّهت يوم 5/11/1956 الى رؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، الدول المعتدية على مصر، باستخدام الأسلحة بعيدة المدى، أي الصواريخ، ضدها، إذا لم يتوقف عدوانها. وهو إنذار أعاد التذكير بأهميته مؤخراً الأستاذ محمد حسنين هيكل في أحاديثه الدورية على قناة "الجزيرة". والرسالة التي وجهها بولغانين الى رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، دافيد بن غوريون، اتسمت بحدة خاصة، حيث قال المسؤول السوفييتي في رسالته ان عدوان إسرائيل على مصر "يضع علامة استفهام على وجود إسرائيل نفسها كدولة"، وهو تعبير أثار في حينه دهشة وانزعاج القيادة الصهيونية. ويُذكر أن الإتحاد السوفييتي كان، في تلك الفترة، متقدماً حتى على الولايات المتحدة في مجال الصواريخ بعيدة المدى، وهو التقدم الذي سمح له بإرسال أول قمر صناعي يدور حول الأرض (سبوتنيك) في العام 1957 ومن ثمّ أول رائد فضاء، يوري غاغارين، في العام 1961.

ومعروف أيضاً أن الإتحاد السوفييتي وكافة الدول الحليفة له في ما كان يُعرف بـ "المعسكر الإشتراكي"، باستثناء رومانيا، قطعت علاقاتها مع إسرائيل بعد عدوان حزيران/يونيو 1967 الإسرائيلي على المحيط العربي. وبقيت هذه العلاقات مقطوعة حتى السنوات الأخيرة من وجود الإتحاد السوفييتي.

كما أن كلاً من جمهورية الصين الشعبية، التي تم الإعلان عن قيامها في 1/10/1949، وجمهورية فييتنام الديمقراطية، التي أُعلن عن قيامها في 2 أيلول/سبتمبر من العام 1945 وتحولت الى جمهورية فييتنام الإشتراكية بعد هزيمة الجيش الأميركي وإعادة توحيد البلد كله في العام 1975، لم تقيما علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أبداً، إلا بعد مؤتمر مدريد في أواخر العام 1991، والذي شاركت فيه كافة الأطراف العربية المعنية بالصراع مع إسرائيل، وبدا آنذاك وكأن هناك توجهاً دولياً لحل هذا الصراع (وهو أمر لم يتحقق، طبعاً، حتى الآن).

أما كوبا، فقد قطعت علاقاتها الدبلوماسية، التي ورثتها عن نظام باتيستا المطاح به، مع إسرائيل منذ مطلع السبعينيات، وأبدت تضامناً عملياً مستمراً مع نضال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى ضد الإحتلال الإسرائيلي والإعتداءات على المواطنين العرب. وكان وزير خارجية كوبا، إيسيدورو مالمييركا، أحد أبرز المسؤولين الدوليين القلائل بهذا المستوى الذين قاموا، أبان الحصار الإسرائيلي لبيروت الغربية في صيف العام 1982، باختراق الحصار والإلتقاء مع القيادات الفلسطينية والقيادات اللبنانية الوطنية المحاصرة من قبل جيش الإحتلال الإسرائيلي.

وفي كل ما أوردته أعلاه من معلومات، لم أكن أسعى الى الدفاع عن سياسات الإتحاد السوفييتي كلها، أو تبرير كل خطواته السياسية والدبلوماسية. وهي سياسات بالإمكان مناقشتها ومراجعتها ونقد ما هو سلبي فيها. وقد أوردت في كتابي "اليسار والخيار الإشتراكي" إيجابيات وسلبيات التجربة السوفييتية في التحول الإشتراكي. ولا شكّ أن أحد أبرز النقاط السلبية هي محاولة نقل كافة الخطوات السياسية والدبلوماسية للدولة السوفييتية، بما فيها تلك التي لها طابع تكتيكي وظرفي، الى مستوى الأيديولوجيا والمبادئ. وهو ما لم يكن أمراً صائباً ولا ضرورياً، من حيث المبدأ. ولكننا، مرةً أخرى، لسنا بصدد إعادة كتابة التاريخ بأثر رجعي.

فأجواء أواسط القرن العشرين هي غير الأجواء السائدة حالياً، ولم يكن سهلاً على بعض الأحزاب اليسارية، مثلاً، أن تنتهج سياسات مختلفة أو بعيدة عن سياسات الإتحاد السوفييتي وتحتفظ بعلاقات إيجابية معه.

ومرةً أخرى، لسنا هنا بصدد تبرير هذه المواقف السوفييتية المتحوّلة بشأن حل الصراع في فلسطين، بل الى تفسيرها ووضعها في سياق الأحداث والممارسات الفعلية وصراعات القوى الدولية على المستوى العالمي والإقليمي.

ويمكن في هذا السياق إيراد موقف سوفييتي تكتيكي وظرفي آخر، أحدث في حينه إرباكاً كبيراً في أوساط القوى الشيوعية واليسارية المناصرة للتجربة السوفييتية. وهو عقد "إتفاق عدم الإعتداء" السوفييتي- الألماني، الذي وقّعه وزير خارجية الإتحاد السوفييتي آنذاك، فياتشيسلاف مولوتوف، ووزير خارجية ألمانيا، يواخيم فون ريبينتروب، في 23/8/1939، أي قبل أيام من بدء الحرب العالمية الثانية. وهو اتفاق استهدف الإتحاد السوفييتي من ورائه كسب الوقت، ومنع الإستفراد به من قبل كافة الدول المعادية له. وبطبيعة الحال، أحدث هذا الإتفاق إرباكاً كبيراً في حينه لدى الأحزاب الشيوعية الأوروبية خاصة، كما ذكرنا، وهو إرباك استمر زهاء العامين، الى أن خرقت قوات ألمانيا النازية الإتفاق في حزيران/يونيو 1941، حين هجمت على الإتحاد السوفييتي بدون مقدمات. وهو التطور الذي أعاد الشيوعيين الأوروبيين الى مواقفهم المعروفة المناهضة للنازية والفاشية، بحيث وصلوا الى حد التميّز في دورهم في معظم حركات المقاومة الوطنية في أنحاء أوروبا ضد "المحور" والإحتلالات النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، مما أكسبهم بعد الحرب شعبية واسعة في معظم بلدان أوروبا، كما وخارجها، انعكست في العمليات الإنتخابية التي جرت بعد انتهاء الحرب.

على أية حال، مسألة تبني المواقف الدبلوماسية-السياسية السوفييتية في كل منعطف ورفعها أحياناً الى مستوى التنظير المبدئي مسألة تحتاج الى تدقيق في سياق التحليل التاريخي للمرحلة السوفييتية وترتباتها العالمية، كما سبق وذكرنا. وعموماً، كما ورد في كتابنا المشار إليه، لا بد من تحليل تاريخي عميق للتجربة السوفييتية نفسها، بإيجابياتها ونقاط ضعفها وسلبياتها. فتلك ضرورة لليسار في عالم القرن الحادي والعشرين للنهوض بتجارب جديدة تتجاوز هذه السلبيات وتقيم نماذج جديدة من التحول نحو الإشتراكية أكثر تقدماً واكتمالاً في المستقبل. وهذا يشمل، بالطبع، تجارب القوى اليسارية في منطقتنا العربية.

***
وهنا ينبغي أن نشير الى أن تطور الموقف السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية تجاه الحلول العملية المطروحة للصراع مع إسرائيل، وخاصة في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، له علاقة، بدرجة رئيسية، بتفاقم الخلل، على مر السنوات منذ العام 1948، في ميزان القوى بين حركة التحرر العربية وحلفائها، من جهة، وإسرائيل المدعومة بقوة من قبل الولايات المتحدة، من جهة أخرى. وهو التفاقم الذي وصل ذروةً عالية بعد عدوان العام 1967 واحتلال كل أرض فلسطين من قبل الجيش الإسرائيلي، بالإضافة الى أراضٍ عربية أخرى مجاورة لها.

وهو الوضع الذي جعل منظمة التحرير الفلسطينية تصيغ رؤيتها لمعالجة الإحتلال والصراع مع إسرائيل بالشكل الذي تم اعتماده بشكل واضح في "إعلان الإستقلال" الذي صدر عن المجلس الوطني الفلسطيني في الدورة التي انعقدت في العاصمة الجزائرية في أواخر العام 1988، بعد عام تقريباً على اندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى في الأراضي المحتلة عام 1967 في وجه الإحتلال الإسرائيلي.

ولا شك أن انهيار الإتحاد السوفييتي زاد من تفاقم هذا الخلل في موازين القوى، كما كل الإنتكاسات التي جرت في المنطقة العربية في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، بما فيها سوء الإدارة السياسية للمكاسب الجزئية التي تحققت للجانب العربي في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، والوقوع بعد الحرب في فخ الحلول الجزئية والمنفردة التي عمل من أجلها وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، آنذاك، في انحياز واضح للمصالح الإسرائيلية، كما بات الآن جلياً من قراءة الوثائق الأميركية عن هذه الحرب، والتي تم الإفراج عنها مؤخراً.

لكن هذا الخلل في ميزان القوى ليس، بالطبع، قدراً أبدياً، والخارطة العالمية والإقليمية معرضة للتغيير، بما يعيد فتح الباب أمام تحقيق الهدف المرحلي لحركة التحرر الفلسطينية كما تحدّد في "إعلان الإستقلال" المشار إليه. أما الحل الجذري والعادل والناجز للمسألة الفلسطينية والصراع العربي- الصهيوني الإسرائيلي فيتطلب تغيّرات أعمق وأكبر في موازين القوى العالمية والإقليمية، وهي تغيّرات قد تحتاج الى عقود طويلة حتى تتحقق. وهي مهمة كبيرة ملقاة على عاتق شعوب المنطقة كلها، كما وقوى التقدم والعدالة في العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات أخرى

****