الشيوعية .. مأساة المولد .. ماساة النهاية

سليم سوزة

 

مقالات أخرى

 دعونا نحلق شعورنا على الطريقة الاشتراكية
 في تقد اليسار الدرزي
    أزمة اليسار العربي
 التعفن اليساري والبديل الليبرالي
ماذا بقي من اليسار الفلسطيني
شموح الحزب بوعي رفاقه
هل أنت يساري .. إذن كيف؟
المتمركسون والأيديولوجيا
أيها اليساريون .. لكم أفكاركم ولي أفكاري
هل انتهى عصر اليسار الثقافي
نداء إلى الشيوعيين اللبنانيين

اقتبست هذا العنوان من كتاب المفكّر العربي مطاع الصفدي (حزب البعث، مأساة المولد .. مأساة النهاية) مع وضع كلمة الشيوعية بدلاً من البعث، لما للفكرين من تشابه في كثير من الامور واهمها تلك الفلسفة الشمولية المنغلقة على الطبقة السلطوية فقط لتمثل الوجه الثاني للبرجوازية السياسية التي ادّعى كليهما محاربتها.

لا اريد هنا مقارنة البعث بالشيوعية - لانه ليس موضوع المقال - رغم الخط البسيط الذي يفصل الاثنين بعضهما عن بعض والتشابه الكبير بينهما حتى على مستوى مخاطبة الاعضاء المنتمين لها، فالاثنين يستخدمون كلمة (رفيق) المقيتة التي تدل على عضوية الفرد في الحزب، بقدر ما اريد تبيان اسباب انتشار المد الشيوعي، ولا اقول الفكر الشيوعي لانه لا احد في العالم يقنعي بان جاري البسيط (ابو كريّم) قد اقتنع بهذا الفكر او بنظرية فائض القيمة الاقتصادية او حتى بالديالكتيكية المادية الحاكمة على التاريخ. بل كانت شعارات (يا عمّال العالم ...) وغيرها التي تنادي بحقوق الطبقة العمالية الكادحة هي التي اثارت لعاب (ابو كريّم) وهيّجت غرائزه كما بقية الفلاحين والعمال البسطاء تحمساً لهذا الحزب ودعمه داخل المجتمعات الفقيرة والبسيطة.

كل ما اردته هنا هو ان الاخوة الشيوعيين واليساريين بصورة اعم، لم ينفكوا عن تهمة الاسلاميين بانهم غرّروا بالفقراء والمساكين وضحكوا عليهم بالشعارات الدينية البرّاقة دون ان تكون لهم برامج او خطط سياسية لها القدرة على انتشال واقع الامة ممّا هي عليه الآن نحو التقدّم والرفاهية. حيث لم يدّخر اليساريون جهداً الاّ واتهموا فيه الاحزاب الاسلامية بانهم مارسوا خطاباً تضليلياً بغية خداع البسطاء من الناس والقفز على اكتافهم للوصول الى هدفهم السياسي، وحينها سرعان ما يتم فك الارتباط بين القادة اصحاب الشعارات الاسلامية الفضفاضة وبين قاعدتهم المنكوبة والفقيرة. انا هنا لا ادافع عن الاحزاب الاسلامية بقدر ما اريد ان ابيّن بأن ما ذُكر ليس قاصراً فقط على فكر الاسلاميين، بل يمتد ليشمل كل فكر على الاطلاق، وبالأخص الفكر الشيوعي .. حيث لم يركّز الخطاب الشيوعي سوى على الجوانب الشعاراتية بدرجة اكثر بكثير من الجوانب الاخرى، ولم ينتشر بهذه القوة في المجتمعات العالمية بما فيها الشرق الاوسط الاّ عن طريق شعارات مُحاكاة المظلومية التاريخية للطبقة العمّالية، ممّا جعلت الكثير من العمال والكادحين يؤيدون هذا الفكر وينصهرون في مدّه على أمل ان تُلبّى احتياجاتهم، فماذا كانت النتيجة؟

ها قد اتّحد عمال القياصرة في روسيا وكونوا دولتهم الشيوعية اكثر من خمسين عاماً تقريباً، وماذا بعد .. سوى الانهيار المفاجئ للمختبر الشيوعي الحاضن للفكر الماركسي مخلّفاً مجموعة دول تبنّت افكاراً بعيدة عن افكارها الام، وانتقلت منها دول اخرى الى الحضن الرأسمالي كافرةً بيومها السابق.

سيدّعي مؤيّدو اليسار بان نهاية الاتحاد السوفيتي ليست نهاية الشيوعية، والدليل ان هناك دولٌ مازالت تدين بهذا الفكر ولها من السطوة والقوة الاقتصادية ما لغيرها من الدول المتقدّمة. جوابي، بل عفواً، جواب الاسلاميين سيكون كجوابهم ايضاً، وهو انهم يمتلكون ايضاً دولاً ونماذجاً تمثل طرفاً لاعباً ومؤثراً في المعادلة العالمية اليوم .. فهل سيرضخ اليساريون ويقولوا بأن الاسلام نجح في تأسيس دولة؟

لابد من وجود شعارات لكل حزب او تيار، ولابد ان يكون هناك خطاب يُحاكي كل طبقات المجتمع من المثقفين والبسطاء .. فليس من المعقول ان يخاطب القيادي البسطاء كما يخاطب التكنوقراط، حيث لكلٍّ منهما منهجه وطريقته في الفهم والتأثر .. لكن ما هو غريب ان يرى البعض شعارات الاسلام بأنها خرافات ودجل وشعوذة وضحك على عقول البسطاء، في حين شعارات اليسار والتقدّم طاقة وحماسة تشحذ همم الرعيّة!! والصحيح ان الشيوعية لا تختلف عن بقية التوجّهات ومنها الاسلامية من حيث استخدامها للشعارات الحماسية، وجلّ ما حققته من توسّع في فترة الخمسينيات من القرن المنصرم، كان بفضل تلك الشعارات التي دغدغت مشاعر الفقراء والكادحين من اجل نيل حقوقهم المسلوبة .. الاّ ان المشكلة الحقيقية تكمن في فشل الشيوعية في تحقيق جوهر تلك الشعارات التي حملتها .. وان كانت قد حققت شيئاً ممّا يُحسب في عالم النجاح، فكان بفضل هراوتها القاسية وليس بفكرها النرجسي.

انا متأكد من ان هناك مَن سيقول بان الشيوعية كفكر وكفلسفة، بريئة ممّا وقعت من تجارب قاسية ومدمّرة في بعض البلدان التي انتهجت الفكر الماركسي في سياستها .. وان التطبيق لم يُعبّر عن النظرية اطلاقاً .. بالله عليكم ما الفرق في هذا مع ما يقوله الاسلاميون!!!

اَلَيَس الاسلاميون يقولون اذا ما فشلت تجاربهم السياسية، بأن الاسلام بريء من ذلك!! اَوَ لم يقل الاسلاميون بأن التجارب التي طُبّقت في بعض الدول، لم تكن تُعبّر عن الاسلام الحقيقي!! وان الاسلام الحقيقي ليس هو ما نراه اليوم!! فما الفرق اذن بين الفلسفتين بغض النظر عن رأينا فيهما؟ كلاهما يدّعي بأن التطبيق لم يكن سليماً، وان النظرية نقيّة وغير متّهمة، لكنها تعرّضت الى ممارسة قسرية وارهاب منظّم شوّش عليها جملةً وتفصيلاً.

على هذا الاساس، ان مَن يردّد كلام الصفدي حول مأساة ولادة البعث ونهايته او فشل احزاب الاسلام السياسي وافولها، عليه ان يقول بان الشيوعية قد انتهت ايضاً وقبرت نفسها بنفسها من جهة عدم اختلافها مع تلك الافكار من حيث الممارسة .. وممارسة الشيوعية الخاطئة لم تختلف ابداً عن ممارسة البعث في مسألة الابتعاد عن هموم المجتمع وتطلّعاته .. اللهم فقط في الكلام وليس غير ذلك.